لحظة يبدأ النهار..
أكتوبر 5th, 2009 بواسطة باسمة القصاب

يروى أن معلماً جمع تلامذته وسألهم: كيف نعرف بدقة اللحظة التي ينتهي فيها الليل، ويبدأ فيها النهار؟
أجاب أحد التلاميذ: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين النعجة والكلب! أجاب آخر: عندما نستطيع التمييز من بعيد بين الزيتونة والتينة! هز المعلم رأسه وقال: ليست هذه هي اللحظة التي ينتهي فيها الليل ويبدأ فيها النهار. بل عندما يقترب منا شخص غريب، ونخلط بينه وبين أخينا، وتختفي الصراعات، يكون الليل قد انجلى، والنهار قد طلع. ما الفرق بين لحظة التلاميذ ولحظة المعلم؟ لحظة التلاميذ: (أن تميِّز) من بعيد. ولحظة المعلم (أن تخلط) من قريب. التمييز هو فصل متعمّد بين الأشياء. ولحظة (أن تميز) هي لحظة احتفاء بهذا الفصل. يقوم التمييز على شروط تنبذ التشابه وتوطِّن الاختلاف. لكي تميز، أنت لا تنظر إلى ما تشابه ولا تعره اهتمامك، أنت تنظر فقط إلى ما اختلف. يكون جهة فصلك. في لحظة (أن تميز)، أنت تذهب بعيداً عبر الزمن، إلى تاريخ الإنسان الطويل. ذلك التاريخ المتشابهة قصصه، أحداثه، مروياته، تراثه، أساطيره، حكاياته، وأفعال الإنسان فيه، تدخل صراعاته، خلافاته، حروبه، نزاعاته، وتخاصماته، لكنك لا تفعل ذلك، من أجل أن تعيد قراءة تراث الإنسان الطويل وتاريخه، ولا من أجل أن تصحح ما أعوجه هذا التاريخ في حاضرك، ولا من أجل أن تكشف وهم التاريخ ونقصه ومشكلاته ومآزقه، ولا من أجل أن تخضعه لنقدك ودراستك وتحليلك، ليس لهذا تذهب، بل لتحضر الليل إلى نهارك، تحدد عبر هذا التاريخ صفك وصنفك وطريقك وطريقتك وحاضرك ومستقبلك. تأتي بصراعات التاريخ (البعيدة) إلى حاضرة نهارك. ستميَّز الآخر حسب عرقه أو دينه أو مذهبه أو معتقده أو انتمائه. وستستدعي خلافكما الذي أسس له ليل تاريخك. تستند على ماضٍ بعيد لم تعشه، تمارس فصلك وفق شروط لم يصنعها وعي لحظتك الآن، بل وعي ليل سابق عن قدوم ضوء نهارك. في لحظة (أن تميز) أنت في إعادة مستمرة لإنتاج الاختلاف والصراع. الصراع هو ماضيك (الليل)، وحاضرك (اللحظة)، ومستقبلك (النهار). أما لحظة (أن تخلط)، فهي لحظة تبحث عن شيء آخر. تبحث عن الإنسان المتشابه الذي فيك. هي لحظة مدركة للاختلاف. لكنها معنية بالخلط وتذويب الصراعات. أنت لست في جهل الاختلاف، بل في وعي الصراعات الناتجة عنه. هذه اللحظة تحمل الاختلاف من ليل التاريخ وظلامه، من وعي جماعات الماضي المدججة بالصراع والاختلاف، وتأتي به إليك كي تراه بوعي إنسانك الحالي. تجعلك تعيد قراءته في ضوء نهارك، تقدم قراءة جديدة ومختلفة لتاريخ الإنسان الديني، السياسي، الثقافي، والاجتماعي. لحظة (أن تخلط) هي لحظة وعي متقدم بالاختلاف وبالصراع الإنساني الممتد على طوال التاريخ البشري. أنت قريب، لا من أجل عيش هذه الصراعات والامتداد بها، بل من أجل فهم هذا التاريخ وفهم الإنسان الذي شكل مسيرة العالم. في لحظة (أن تخلط)، أنت تذهب لتبحث عما يجعل التاريخ مرآة تريك، لا أسر يسجنك. الليل هو الظلام الذي يفصلك عن العالم، والنهار هو الضوء الذي يجمعك بالعالم. الخلط هو جمع متعمَّد. ولحظة (أن تخلط) هي لحظة احتفاء بما يجمعك عليك. أي بما يجمع إنسانك على العالم. وهو جمع لا يصنعه وعي سابق لا إرادة لك فيه، بل يضعه وعي لحظتك التي تعيشها الآن، اللحظة التي تدرك حاجتها وضرورتها ومستجداتها. اللحظة التي منها يبدأ نهار التسامح والتعايش، وينتهي ليل الصراع. في لحظة (أن تخلط) أنت تدرك تماماً أن ‘’الإنسان مشروط بالتاريخ’’، لكنك في الوقت ذاته، تدرك أن الإنسان ‘’لا يصير نفسه حقاً إلا بقدر ما يخترق هذه الشروط ويتخطاها’’، كما يقول أدونيس. وكما يخترق الضوء قاعدة الليل ليتخطى ظلامها إلى نهاره، كذلك لن تبدأ لحظة نهارنا إلا بقدر ما نخترق من شروط الفصل والتمييز، ونلاءم من مساحات الجمع والخلط، وإلا فليس ثمة نهار، بل ليل آخر.
خلاصة المواضيع Rss