خنتور.. رمز الثورة وقتيلها الأول
سبتمبر 19th, 2009 بواسطة باسمة القصاب
حوار مع «كائن حي»..«2»
اليوم يروي لنا ”كائن حي” بعض من حكايات قلب الثورة كما عايشها من خلال أقربائه، أو نقلت إليه..
كائن حي: لقد كان جدي من أوائل الثوار الذين انضموا إلى الثورة كمقاتلين. تلقى تدريبه في وحدة الفوج التي أسسها سعيد بن تيمور آنذاك. من هناك تعرف إلى العديد ممن حدثوه عن الثورة وانضم إليها. كان يشارك في العمليات الثورية أثناء الإجازة. في أحد الأيام استدعى السلطان كافة قواته لعرض عسكري وكان جدي حاضراً في طابور العرض عندما قام الثوار بعمليتهم الشهيرة في محاولتهم لقتل السلطان حتى ظن الجميع أنه قتل. ألقي القبض على المجموعة المقتحمة وتم قتلهم بشكل فوري. أمرت بقية الوحدات بالعودة إلى الثكنات. في الليل اجتمع المقاتلون واتفقوا على الهرب من المعسكر، كان جدي بينهم. استطاعوا أن يباغتوا الحراس العمانيين والبلوش ليلاً بالسلاح الأبيض. سيطروا على مخزن الأسلحة وتم تكليف جدي بتدمير مركز الاتصال (البرقية). قال جدي: دخلت إلى الموقع ووجدت أحد الجنود وعندما أشهرت بندقيتي نحوه رأيته يستلقي على الأرض ويبكي. لم أطلق عليه النار واكتفيت بإطلاق النار على الأجهزة ودمرتها. وفوراً لاذ بالفرار هو وعدة أشخاص بينما الأغلبية كانت قد فرت من قبل. كانت المسافة من المعسكر إلى الجبل عشرة كيلومترات أو أكثر. وكانت منطقة سهلية مفتوحة. قال جدي: كنا نركض بسرعة. وعندما قطعنا نصف المسافة رأينا سيارات الجيش والآليات المصفحة تخرج من المعسكر لملاحقتنا. قال: عندما اقتربت من الجبل رأيت أحد الأشخاص ملقى على الأرض، وكان أحد رفاقه أصيب بنوبة تشنج عصبي. ولما كان جدي مشهوراً بشجاعته وقوته الجسمية، ألقى بندقيته وحمل الشخص على ظهره إلى الجبل. قال: لم أستطع أن أواصل به لمسافة أطول، اكتفيت أن أضعه في أحد الكهوف وخبأته جيداً وذهبت إلى منطقة قريبة. أخبرتهم عنه، بالفعل تم إنقاذ هذا الشخص. كان لجدي أن يذهب ويدعه، لكن العادات القبلية والظفارية بالذات تمنع ذلك، لكي لا يلحقه العار أو يتم الانتقاص منه ومن قبيلته. عندما عاد إلى المنطقة التي يسكن فيها في الجبل كان شقيقه قد اعتقل في صلالة مقابل أن يقوم بتسليم نفسه. لكنه رفض ذلك لأنه يعلم أن تسليمه لنفسه انتحار. لكن سرعان ما توفي شقيقه في السجن، وانضم جدي رسمياً في الجبهة وخاض العديد من المعارك. لكنه سافر إلى قطر هناك لا أعلم في أي فترة.
إحدى أصعب اللحظات التي مرت عليه كانت عندما تمت محاصرته من قبل الجيش في الجبل هو واثنان من رفاقه. قال: كانت دورية راجلة تقوم بالبحث عن الثوار بأكثر من خمسين جندياً يتقدمهم ضابط بريطاني شاب، وتم التخطيط من قبلنا لكمين، وفوراً بدأنا الاشتباك معهم عن طريق القنص من الأماكن المرتفعة. لكن ومن دون علمنا كانت المجموعة المهاجمة قد انقسمت إلى قسمين. لم نشعر بهم إلا خلفنا، فما كان منا إلا الفرار باتجاه المجموعة الأولى، وسرعان ما تم تطويقنا. لكننا استطعنا الفرار إلى أحد الكهوف والاحتماء. ومن حسن حظنا كان الكهف مناسباً للاحتماء من الرصاص والقنابل اليدوية، وخضنا عدة اشتباكات معهم، وكانت الذخيرة تنفد منا، لكننا استطعنا إسقاط عدد منهم.
استمر الحصار من فترة الظهيرة حتى دخل علينا الليل وقام الجيش بالتخييم عندنا وقمنا بتوزيع الحراسات بيننا لكي نرتاح قليلاً على أمل أن تقوم إحدى الوحدات بالهجوم عليهم. قال جدي: قمت بالحراسة الأولى. بعدها استلقيت للنوم.. وأثناء نومي حصلت المعجزة. أيقظني بهدوء رفيقي الشهيد سالم الذي كان يتولى النوبة الأخيرة في الحراسة. قال لي هيا نهرب. كانت مخاطرة أن نخرج من الكهف. لكننا خرجنا وكان الظلام دامساً. لم أرَ شيئاً بل سمعت همسات بعض الجنود الذين يتولون الحراسة من جانب الكهف. لكنني أحسست بإحساس غريب في قدمي الحافية. كنت أدوس على شيء ساخن. فجأة صرنا خارج الدائرة التي كنا محاصرين فيها. ابتعدنا وركضنا. كنا نضحك ونحن نركض وأنا أسأله ماذا فعلت؟ لم يخبرني بشيء. بعد قليل سمعنا طلق نار حول المعسكر. لقد شعروا بهروبنا.
عند بزوغ الفجر اتضحت لي الرؤية. لقد كانت قدماي ملطختين بالدماء. دماء من؟ لقد كانت دماء الضابط البريطاني الذي تولى الحراسة في مقدمة الكهف. قال سام مخاطباً جدي: لقد رأيته يغفو وتسللت إليه بأخف ما عندي. غرست سكيني حول رقبته. لم يلاحظ أحد. وها نحن أحرار. هؤلاء هم الذين خاضوا الحرب لمدة عشر سنوات أخت باسمة.
* أنا: ياااه.. كأني أشعر بلزوجة الدم الحار تدوس عليها قدمي.. يا لهذا التاريخ.. يا لهذه الذاكرة.. يا لهذه الـ ظفار.. شكراً لك أيها الكائن الحي.. كنت أعلم أنك تنطوي على الكثير الذي تود قوله.. شعرت بذلك من أول تعليق لك.. الآن أستطيع أن أفهم حرارة ما تشعر به، أنت والشباب الذين أتوا على الأطلال، وكأنهم خسروا حق الحلم قبل أن يحلموا..
- كائن حي: السؤال الذي يدور في ذهني دائماً، ما عدد الثوار في أفضل حالاتهم أو أسوئها، مقابل القوة الحاشدة التي كانت ضدهم. كان الجنرال توني جيبسون قائد القوات العمانية آنذاك يقول، إن لدى الجيش 10.000 جندي عماني، 30.000 جندي إيراني (دخلت القوات الإيرانية العام 73)، 3000 جندي من القوات الأردنية، والبريطانيين بوحدات سءس الخاصة الشهيرة 500 جندي، كل هؤلاء مقابل ثوار ظفار بأسلحة الكلاشنكوف والسمنيوف وبعض المدافع. كيف استطاع هؤلاء الخوض ضد كل هذه الجيوش الحاشدة طوال هذه الفترة الطويلة من الزمن؟ إنه سؤال محير!
* أنا: هو سؤال غريب ومحير فعلاً، لكن أعتقد أن الطبيعة الظفارية الجبلية والكهوفية كانت بيئة حامية للثوار بقدر كبير؟
- كائن حي: بالطبع، لقد أثبتت إحدى الدراسات وجود 3500 كهف في ظفار، إضافة إلى كهف (طيق) أكبر كهف في العالم. كذلك تمتاز المنطقة بكثافة الأشجار والغابات، خصوصاً في نهاية الخريف وطوال موسم الصرب أو الربيع.
كنت في إحدى المرات في الجبل أود الذهاب إلى إحدى العيون مشياً على الأقدام، رغم أني عارف بالطريق، إلا أني أضعتها بسبب كثافة الحشائش واختفاء معالم الطريق، ما بالك بجيش أجنبي؟ لقد كانت الكهوف تمثل للظفاريين المسكن الدائم لهم ولماشيتهم حيث يقومون بتغطيتها وتحسينها للسكن.

* هل سمعتي عن الشهيد خنتور؟
أنا: سمعت هذا الاسم كثيراً ودوماً، لكن سأكون ممتنة لو فصّلت لي أكثر، فأنا لن أمل التفاصيل؟
- كائن حي: خنتور أول من دخل مرباط ثم استشهد.. مسعود مطرح اسمه بين القلوب مخلداً
هذا هو مطلع الأغنية الشهيرة للجبهة للتذكير بخنتور وبعض رفاقه. ولد خنتور في المنطقة الوسطى من ظفار واسمه مسعود سالم. يلقب بخنتور منذ الصغر. اشتهر بقوته الخارقة وشجاعته. وصار مضرباً للمثل حتى الآن. يلقب عدد كبير من الشباب بلقبه. اشتهر بهذا اللقب عندما كان يعمل في قطر لدى الجيش آنذاك. كانت قصصه ومغامراته وعدم مبالاته بالأنظمة أو النظام لها شهرة واسعة. وكان من المؤسسين للثورة وأحد قادتها الأوائل.
سقط خنتور في معركة مرباط الأولى، حيث كانت مرباط أهم مدينة بعد صلالة. صدرت الأوامر من قبل الجبهة باحتلال مرباط. تولى خنتور مسؤولية القيادة للمعركة. تم تجهيز سلالم من أغصان الأشجار للسيطرة على حصن مرباط الشهير. وقد تم تحديد موعد الهجوم، إلا أن بعض العناصر رفضت المشاركة في الهجوم لأن الليلة الموعودة للهجوم كانت ليلة قمرية، وقد رأى البعض أنه قد تفشل الخطة بسبب فقدانها عنصر المباغتة. لكن خنتور العنيد دوماً والمتمرد عادة رفض هذا العذر. ووقف فوق إحدى الصخور وقال خطبته الشهيرة: كل شخص يخاف من الذهاب معي لا أريده. كل أب له أبناء لا أريده معي. كل شاب معيل لأسرة أو حيد أهله لن يشارك. أريد أن يذهب معي كل شخص لن يبكى أحد على فقده، أو لن يضر فقدانه بيت أو عائلة”. مضى ومعه أقل من مئة مقاتل بعد أن تم حشد 300 للمعركة. كان خنتور قد أقسم أن يصرخ من فوق برج الحصن صرخة النصر. مضى ومن معه. لكن سرعان ما اكتشف الحرس الحصن المهاجمين وبدأ الاشتباك. استطاع خنتور دخول الحصن وحيداً في عملية فدائية. لكنه قتل على يد الوالي أو شقيقته كما يقال في ظفار. حيث لم يقف في وجهه إلا هي. وقد جرت عادة الظفاريين ألا يقتلوا النساء..
* أنا: رائع.. رائع.. كأنها أساطير.. هل تروى على أنها كذلك؟ وهل مازالت تتناقلها الأجيال؟ وبأي مشاعر ينقلها الآباء للأبناء؟
- كائن حي: لا، ليست تروى كأساطير، بل تروى بواقعيتها فتبدو كالأسطورة. ربما هي كذلك في نظر من لم يعايشوها. بالطبع مازالت تتناقل، خصوصاً بين أجيال الشباب. لا أعرف كيف ينقلها الآباء للأبناء، فوالدي لم يشارك فيها. لكن أظن أنها تروى للعبرة..
أنا: يمضي الزمن. لكن الرمز لا يموت. يبقى شامخاً برمزه. ويبقى شاهداً حياً على زمنه. قد لا يشير لنا الرمز أن نفعل مثله. فالزمن لا يعود. فلن يشير لنا أن ندخل التاريخ من بوابته ذاتها. لكنه حتماً سيجعل من التاريخ بوابة أخرى نرى منها.
خلاصة المواضيع Rss