شارع بلون الغرق

 

لعله بلجريف أو شخص آخر مرَّ من هنا، كان يحمل لنا نبوءة غرق هذه الجزيرة. لقد نسي البحرينيون هذه النبوءة بعد أن رسَّخت البنايات العالية أراضيهم، لكنهم في غمرة نسيانهم أغرقوا جزيرتهم بمياه الطائفية. الماء لا لون له، لكن له فعل واحد هو الغرق. كذلك الطائفية تشبه الماء بأن لا لون لها، لكنها تستطيع الدخول على أي شيء، فتغرقه بفعلها، من غير أن تكشف عن لونها.

الغرق لا لون له

‘’المياه كلها بلون الغرق’’، عنوان كتابٍ لإميل سيوران. في هذا الكتاب، يقرِّر سيوران عبر عباراته المقتضبة والمكثفة، أن يكفَّ عن أي شيء، عن أي برنامج، إلا أن يتنفس. فحين يكون كل ما حولك في لون الغرق، يبقى نَفَسك أملك الأخير. صمود هذا النَفَس يعلن أنك لم تستسلم بعد لغرق مُعَدٍّ، أو مُعْدٍ.

يبدأ غرقك لحظة تغادرك أنفاسك النقية. تعلن انهزامها أمام لعبة الاختناق. تمضي منفلتة من كظم جوفك إلى غيظ الماء. ويمضي ماء (الطائفية) مغرقاً رئتيك اللتين أفرغهما الهواء. حينها لا يعود لونك إلا إلى لون الغرق. وما لون الغرق؟

الأجساد المنتعشة بلون الحياة. الملتمعة بطراوة الماء المتدفق فيها. يحيلها الغرق إلى جثة طافية عتماء عجماء منتفخة مهترئة. لا تلبث الشمس أن تحيلها إلى مركب نتن. الغرق يطفئ زهو روحك. ينتزع لون طراوتك. الغرق محو لألوانك كلّها. وكذلك الطائفية.

‘’المياه كلها بلون الغرق’’، ربما عنوان شارعنا السياسي أيضاً، وربما لونه. في بروفايل ‘’الشارع البحريني’’ الذي نشر في الوقت قبل أكثر من عام [1]، كنت أحاول فهم الشارع السياسي (جمهوره وحالاته وقواه المحركة) من خلال حالات الماء: تدفقاته وفوراناته وغلياناته وكدوراته وتلوثاته واندفاعاته وانجرافاته وفيضاناته وهيجاناته وارتطاماته واصطداماته وترسباته ومخلَّفاته وموجاته وتياراته وحالات مده وجزره وزبده. فشارع محاط ببحرين لا ببحر واحد، إن لم تصبه نبوءة الغرق بمعناها الحقيقي، فإنه معرض على الدوام للإصابة بحقيقة الغرق بمعناها المجازي. للشارع طبيعة البحر، وطبيعة البحر كما يقول قاسم حدَّاد: كثيف القلق، ليس له قرار، ويحسن الغرق [2].

يسلب الغرق أنفاسك أن تكون في رصانة. يفقدها حنكتها وحكمتها وعمقها. أن لا تنخرط ولا تنجرف. أن لا تُستدرج إلى غرق وشيك. أن لا تُستفز إلى قاع مُعَد. أن لا تنجرف إلى نهاية مرسومة. الغرق لون يدفعك كلّك نحو هاويتك. في الفتنة الموتورة الأخيرة، كان أحد (المفزوزين) يقول لي بصوت غارق في هيجانه: ‘’لتكن فتنة طائفية كما أرادوها، لتشتغل البلاد، حينها سيدرك هؤلاء أنهم أول المحترقين، لا الشعب المنتحل بهم’’.

الغرق فتنة لونها (ليكن): ليكن التأجيج، ليكن الاستفزاز، ليكن الاصطفاف، لتكن الطائفية، ليكن التخوين، ليكن التسقيط، ليكن التحريض، ليكن التآمر، لتكن المخططات رفيعة المستوى، ليكن التمييز، ليكن التجنيس، ليكن الفساد، ليكن الاستنزاف، ليكن الاستيلاء، لتكن العطايا، لتكن الهبات، ليكن الثراء الفاحش، ليكن ما دون خط الفقر، لتكن ردود الأفعال، ليكن العنف، لتكن الاشتعالات، لتكن السلندرات. ليكن الغرق. فـ(ليكن) كلها بلون الغرق.

في لون الغرق، ليست هناك (ليكن) تحملنا إلى بشائر نجاة. النجاة لون (لا يكون). فلا يكون الوطن، ولا يكون المواطن، ولا تكون المواطنة، ولا يكون القانون، ولا تكون المساواة، ولا تكون العدالة، ولا تكون الشفافية، ولا تكون النزاهة، ولا تكون المحاسبة، ولا تكون المساءلة، ولا تكون المطالب المشروعة، ولا تكون المشاركة، ولا تكون المعارضة، ولا تكون الثقة، ولا يكون الإنسان. فالـ(لا يكون) كلها بلون الغرق.

يستبد بك ما (لا يكون)، ويضيق نَفَسك بما هو (كائن). الصبر لون ينفذ سريعاً عند احتماء الماء. فما أسرع أن يبدأ غليانه. وكلما بدت النجاة وكأنها (لن تكون)، مهَّدت الفتنة لغرقاها قائلة: فـ(ليكن) ما يكون. حينها يصير المُمَهّدون، أسرع إلى طوق غرقهم، منهم إلى سدَّة نجاتهم. ولا عزاء لبحرٍ، أطواق نجاته كلها في لون الغرق.

تعدك الأطواق السياسية كلّها بلون النجاة (لونها). تحذرك من ‘’نفق الطائفية المظلم’’ (نفق خصمها السياسي). ثم تجعل نجاتك رِهانها. تشرئب بعنقك نحوها. تسِّلمها نفْسَك ونَفَسك وجسدك. لكنك لا تلبث أن تشهد الغرقى أمامك يتكاثرون. يتزايدون طوقاً بعد طوق. والنجاة لون (لا يكون). لا تطفو هذه الأطواق بجسدك، بل تطوِّق أنفاَسَك. ليت هذه الأطواق لا تراهن بنا علينا. ليتها تترك نجاتنا رهان أنفاسنا، لا رهان برامجها المطوَّقة.

تبشرك مياه الشارع (السياسية) بلونها الإيماني. تعدك في خطب جمعتها ودور عبادتها. تناصحك في افتتاحات خطبها الإيمانية بـ’’الالتزام بكتاب الله وهدي النبي والثبات على الدين’’. و’’أن الأمة إذا التزمت بهذا المنهج، لن تكون هناك فتنة أبدا ‘’. تؤكد أنها لا تنشد إلاَّ ‘’استقرار البلاد والعباد وحقن الدماء وإسكات كل صوت لايريد الاستقرار’’. أنها ولاءً وطنياً محضاً لا قبلياً ولا عصبوياً ولا طائفياً ولا دنيوياً. أنها ديمقراطية صرفة في غير تكسّب ولا تمصلح ولا تكالب ولا أطماع. أنها الله ثم الوطن ثم المواطن. أنها لله وفي الله وباسم الله. لكنك لا تكف بعد كل شعيرة خاشعة من صلاة الجمعة، أن تشهد غرقى الفتنة يتكاثرون. يتزايدون. والنجاة لون (لا يكون). ليت غشاوة الإيمان لا تُلبس ظُلماتها صلواتنا. ليت أًيْماناتها لا تغرقنا في أُجاجات بحرها. وإن أصرّ لون الغرق إلاَّ أن يُغشِّيها فوق منابرنا، فاسمحوا لي أن أقول: ليتنا لا نصلي!!

هوامش

[1] باسمة القصاب. بروفايل ‘’الشارع البحريني’’. شارع من ماء. الوقت العدد .243 السبت 21 أكتوبر .2006

[2] قاسم حدّاد. أيقظتني الساحرة.

 http://www.jehat.com/Jehaat/ar/KetabAljeha/books/qhassim_haddad2.htm

الوقت:

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7390

التفاتة:

المقالة أدناه للعزيز حسن العلوي، صاحب مدونة سراديب الصمت. كان أرسلها لصحيفة “الوقت”  في صيف 2007، على خلفية ملف بروفايل الصيفي “خزانة الكتب”، والذي كان يعد لحلقة خاصة عن تلقيات الكتاب. ونظراً لعدم انجاز هذه الحلقة لأسباب “وقتية”، أضع بين أيديكم  المقالة. ومني للشاعر الرشيق حسن العوي، كل الشكر والمودة..

سراديب الصمت

 

تلقيات عديدة ونقاشات متواصلة سبّبها هروب فراشة – بل حركة جناحها، فأثرى الحديث عنها حتى باتت حيوات البعض متأثرة من هكذا دوي. أتذكرُ جيداً مدى ما صاحب نشر تجربة الكاتبة باسمة القصاب في جريدة الوقت على حلقات. كُنت تارةً اُشارك في نقاش ٍ في مكان ما ، ليتبعه نقاش ٍ آخر في بقعة جغرافية أخرى ، ومرة أخرى أجدني مدافعا عن ترجمة استحضار التجربة وأثر هذه المُراجعة الذاتية ، وهكذا دواليك.

ما يعلقُ بالذاكرة ، أنني سعدتُ كثيرا بقراءة التجربة ، وكأنني شهدتُ خروج ذات الفراشة من شرنقتها بعد مخاض ٍ طويل وعصي. دائماً ما أستحضرُ تلك الذات القوية المتمكنة واستحضر تجربتها كمثال يُحتذى لمراجعة النفس دوما وتحررها من قيود أياً يكن واضعها.

ولا أخالني الا أن عُدت مرة أخرى لاتلقى كتاب “كالتي هربت بعينها” بنهم ٍ ، وكأنني أعيشُ خروج ذات ٍ من سور آخر الى تشكل روح ٍ جديدة.

سأبدأ بقراءتي لكتاب “كالتي هربت بعينها” من حيث انتهى حوار الآخرين، لا أعرف لما، هل لأنني لم أوافق بعض التلقيات في هوامش الكتاب، ومثالها “الهامش الثاني”؟ كالتي ذكرت بأن ( الكاتبة لا تزال تُعاني من الحاجز التي عاشته لمدة 16 سنة، بدليل أن المعلومات التي ذكرتها لا زالت قليلة) . فأجدني مسترسلا بالرد عليها بأنه يجب أن نضع نصب أعيننا أن هذه ليست “فضح” لأسرار جماعة مُعينة، انما هي “تشكلات الذات” وهي ليست سيرة بل عبور مرحلي من حالة الي أخرى. لا أرى بأن تجربة الفراشة “فضحت النظام الرمزي للجماعة”، بل أزاحت وأماطت اللثام عن خصوصياته وأغلفته التي أسِرتْ الجماعة نفسها بها.

من المهم جداً أن يتطلع القارئ الى ما يعتمل في نفس الكاتبة، بدلاً من محاولة اشباع ذاته بمجموعة من الحقائق والوقائع. لذا أرى أنه من المفيد قراءة الفصل المُعنون (قبل الولوج في الهروب) والتمعن فيه قبل الانتقال الي فصول تشكلات الذات (من الهروب الاول حتى الاخير) لنفهم ما يختمر في قلب وفكر الكاتبة وبالتالي فهم ما ارادت ايصاله للمتلقي.

غاصت الكاتبة في أعماقها لتفهم وتُفهم آليات تغليفها وآليات انفكاك تلكم الأغلفة وبالتالي معرفة ما يكتنف التجربة من فصول واستنطاق مكنوناتها.

كما أنني أسير في اتجاه مُغاير لما ذُكِر من (أن هناك الكثير من الضغوط وجزءاً من التأنيب). ما أفهمه أن التأنيب نتيجة لحالة من عدم الرضا لفعل ٍ معين، وهذا ما يُجافي حقيقة ما أسردته الكاتبة – الفراشة والتي أشعرتنا برضاها ، بل باصرارها على الدخول الى مرحلة تالية من تشكلات الذات بعيداعن فلك الضغوط، مع ركن التأنيب جانباً.

أرى أن الكاتبة لم تكن بحاجة الي تفاصيل سردية تُحاكى لنا كيفية حدوث الدخول والخروج من الجماعة. نعم، قد يُضيف ذلك شيئا لهذا الكتاب، ولكن الكتاب لم يهدف الي الدخول في حيثيات التحول بقدر ما أراد تحليل الخروج من عتمة مسورة وأغلفة مُعينة من أجل التوحد مع آخرين بأغلفة متنوعة ولكنها غير مسورة.

ذكر آخر بأنه ( كان للكاتبة أن تسرد دون الدخول في التحليلات)، وهذا يُنافي مسلمات التجربة فمنْ له / ا القدرة على تحليل هذه الامور المتصلة بالجماعة، سوى الكاتبة؟ أليست فترة زمنية أمتدت الي 16 عاماً غير كفيلة بتحليل هذه الامور؟ ثُم ألم نقل بأن الكاتبة تملك حساً نقدياً فائقاً في قراءتها لتجربتها بما تملك من مرجعية نظرية – وأضيف عليها عملية – قوية؟

أجد أن تجربةالكاتبة تجربة غنية مركبة حصيلة سنوات من “تلقين” الذات وصهرها لتعايش فئة معينة، وسلب تواصلها الخارجي لتكون رهينة في اطار حُلم غاية في الجمال والاقناع والتلويح المستمر بخسران ميراث لم يحصل عليه سوى الخاصين والخُلص.

لذا أقول بأن الكاتبة أبدعت بتزاوجها بين التحليل والسرد وتناولت الاثنين معاً بحِرفية ومهارة فائقتيين، ولو أنها أبقت على السرد فقط لأفرغت محتوى التجربة. فتحليل خطوات التحول كان ضروريا للقارئ حتى يستوعب ماهيته بدلا من السرد لتتحول التجربة الي سيرة ذاتية محضة، قد تلقي الإستحسان، ولكنها لن تُجرد الأغلفة وتخوض في سببية وجودها.

أقرأ الكتاب من زاوية معرفة تشكلات ذات، لا لمعرفة من أين كانت تأتي النصوص العليا، وكيف تصل ولمن تصل. هكذا تفاصيل قد تُثار بطريقة مختلفة وبأوراق أخرى خارج نطاق “كالتى هربت بعينها”، لم أرى حتمية عرضها في هذا الكتاب. وهذا ييندرج على الجانب الاثنوغرافي أيضا.

جمالية تجربة الكاتبة نبعت أيضا من عرضها كيفية تحول الاكتفاء الذاتي بالأفكار والمعتقدات والاشباع بكل حضوره الي تحول معرفي يُناقض ذلك الاكتفاء، وبلا مُخلفات مُدمرة على الذات والشخصية.

أقول للكاتبة بأن “فتحك ِ لهذه الصفحة لتسيرى انطلاقا منها”، هي رائعة بكل المقاييس، لأنكِ متى ما طويتها وسرت بعيدا عنها، ستلازمك وتلازم طيفك أنّى رحلت ِ.

مراجعة الذات والوقوف على ما أنجزته، يُحسب للكاتبة كثيرا فالقلة منْ يقوى على اتخاذ مثل هذه القرارات.

وأختم بالقول بأن كتاب “كالتي هربت بعينيها” فريدٌ ويستحق القراءة فهو يُترجم مقولة ماركيز ” ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يتذكره كي يرويه”.

على «نحو» مُتَبَقيك

دوماً في الثقافة التي لم يترسخ فيها النقد ترسخاً يقضُّ مضاجع بدهياتها، تجد الكتابة سوء فهم أو سوء تأويل، حين يتعلق الأمر بمحاولة لإعادة فهم هذه البدهيات، وعملها، وعلاقة الإنسان بها. البرنامج هو إحدى البدهيات في ثقافتنا. الإنسان المُشَبَّع ببدهيَّة أن الإنسان لا يمكن أن يكون في الحياة من غير برنامج وهدف وخطة وطريق، لا يمكن أن يقبل فكرة أن تخرج من برنامج، إلا لتدخل في برنامج غيره، وكلما كانت مغادرتك للبرنامج الأول هروباً (كالتي هربت)، صار دخولك في برنامج مقابل له ضرورة توبة (كالتي تابت)، أو أنك تصير إلى ضياع (كالتي ضاعت). فإن تخرج من برنامجك؛ يعني وفق هذه الثقافة، أن تلتحق ببرنامج ديني آخر أو علماني أو ماركسي أو يساري أو..

اللوحة للفنان عباس يوسف

لا يمكن لهذا العقل المُشَبَّع، أن يفهم فكرة أن الإنسان يكفيه أن يتَنَفس خارج البرنامج. أن يتَنَفس أحدنا الله خارج منظومة البرامج الدينية أو الأيديولوجية. تبدو هذه الجملة نقضاً لبدهيته التي تقول إن الإنسان لا يكون إلا ببرنامج. وهي تشبه أيضاً جملة أن «الإنسان ليس عقلاً»، وأن «الإنسان ليس بحاجة إلى نظام». هذه الجمل، حين نفهمها على مستوى النقد، فهي لا تعني أن الإنسان يجب أن يترك يعيش الفوضى والضياع من غير نظام ولا برنامج ولا عقل، بل تعني أن الإنسان عليه أن يتذكر إنسانيته (بما هي نَفَس الله)، قبل أن يتذكر الأنظمة والبرامج التي تعمل كقواعد نحوية صلبة لتحديد نحوه وطريقه.

في مقالي الذي تحدثت فيه عن حاجة الإنسان لأن يتنفس خارج تكبيل البرنامج، واللغة خارج تكبيل النحو، كنت أنطلق فيه من «نحو» نقدي، يرى في البدهيات والمسلمات وقواعدها، مناطق بحاجة دوماً للاختراق، كي لا يستحيل الإنسان فيها آلة يعمل وفق كاتالوج خاص [1]. كنت أشير إلى «نحو» لا يختزل الإنسان في صورة آلة، ولا يختزل أنفاسه في صورة كتالوج مبرمج.

ومن أفق هذا «النحو» النقدي أقول، إن الجماعات الأيديولوجية والجماعات الدينية ترسِّخ فكرة البرنامج باعتبارها «غاية» تصوغ وفقها كتالوج الإنسان، وتجعل من الإنسان آلة لا يمكن تشغيله (كما ينبغي) إلا من خلالها. فحين أنقد فكرة البرنامج فأنا أنقد هذه الغاية، كما أنقد الأفق الذي تشتغل من خلاله هذه الغاية حين تصوغ أسئلتها: ما برنامجك؟ ما هدفك؟.. الخ. لكني لا أنقض فكرة أن الإنسان يحتاج إلى برنامج ينظم من خلاله شؤونه الدنيوية والحياتية. لكني في الوقت نفسه ضد فكرة البرامج التي تقدم نفسها للإنسان على أنها خلاصه الأخروي، وتعِده بمكاسب أخروية تكون هي الضامن لها. مثل هذه البرامج ليست فقط تفسد على الإنسان برنامجه الدنيوي، بل تفسد عليه متعة اكتشاف الأنفاس الأخرى ورؤية جمالياتها، تجعل نفسه ضيقاً بالأنفاس الأخرى متعالياً عليها مكتفياً ببرنامجه منكفئاً عليه.

برامج الجماعات الأخروية والأيديولوجية وجماعات الخلاص، تحيل ثقافة الإنسان إلى مجموعة من الأوامر والنواهي، تماماً كما هو شأن الكمبيوتر، لا يمكن للكومبيوتر أن يتنفس خارج هذه الأوامر، ولا أن يتصرف. كذلك الإنسان المحكوم بثقافة برامج الأمر والنهي، لا يمكنه أن يتصرف خارج قواطع أمرها ونهيها. لا يمكنه أن يؤول المواقف والنصوص أو برامجه الدنيوية بنَفَسه الخاص.

أن يكون برنامجك هو أن تتنفس، هي دعوة ضمنية لما يسميه جيل دولوز «خطوط الانفلات» [2]، فالدولة أو الجماعات الأيديولوجية المتصارعة فيها أو الجماعات الطائفية المحتربة على مغانمها، تضع خططها على هيئة برامج، تستهدف الاستحواذ على الإنسان واستقطاب صوته وتوجيه مآلاته. وبقدر ما تنجح هذه الخطط في عملها الاستقطابي هذا، فإن هناك ثمة أنفاس تنفلت خارج حدود خطوطها وخارج مخططاتها وخارج برامجها. تنشق عليها. تتنفس خارجها. هكذا يكون الانفلات هو هروب واعٍ من الخطوط المعدة لك سلفاً أو المتوقعة منك حالاً أو المقبولة منك مستقبلاً. الانفلات هو برنامجك الخاص، هو أنفاسك المنبثقة من جوف إنسانك، لا من جوف خطك. بهذا المعنى أفهم عبارة سيوران حين يقول «أن أتنفس، أليس هذا كافياً».

خارج الجماعات هناك قواعد النحو أيضاً، يمكننا أن نفهمها أيضاً ضمن مفهوم الانفلات. القواعد برامج للكلام. لكن هناك كلام يبقى خارج القواعد. كان يسميه النحاة «الشاذ»، وهي تسمية لا تعني أنه غير صحيح، ولا أنه خاطئ، بل تعني أنه لا يخضع لبرنامج القواعد. أنه متنفس خارج هذا البرنامج. وحين يتمكن هذا (الشاذ) من أن يكوثر من أمثاله، يجبر اللغة على أن تغيِّر قواعدها، ولا تسألوا حول هذا اللغة العربية، بل اسألوا لغات العالم كلها.

ولأن هذا (الشاذ) هو مشروع لشيء جديد، شيء من قبيل ما يتمناه حمزاتوف (يخضع فيه النحو للغة، لا اللغة للنحو)، فإن علم اللغة الحديث أو اللسانيات، وضع له اسما لا يحمل حكم قيمة (خلاف تسمية الشاذ التي تحمل حكماً تبخيسياً يشي بالنبذ). فأسماه «المتبقي». حين تتعرض إلى حالة اختناق، فإن المتبقي من أنفاسك النقية، تلك المنفلتة من التشبع بثاني أكسيد الكربون، تكتب لك حياة جديدة. كذلك المتبقي من الكلام، يكتب للغة حياة جديدة، لأنه يمدها بنَفَسٍ جديد. نَفَس يتيح لها أن تنفلت على «نحو» حرٍّ مبدع.

والأمر أيضاً مع الإنسان. من يبقى منفلتاً (بوعي) خارج قواعد الجماعات ونحوها وبرامجها، يكتب للبشرية حياة جديدة، ونفساً جديداً. فإن تكون منفلتاً من البرنامج، لا يعني أن تكون من غير برنامج. لكن يعني أن برنامجك هو متبقيك، لا يصب في «نحوٍ» يُنتَظر منك، بل من «نَفَسٍ» تُخرِجُه نقاوة الإنسان فيك..

هوامش

[1] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5180

[2] http://www.doroob.com/?p=19063

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7255

 

أن أتنفَّسْ

As a service we have provided you this image for COMPING/VIEWING purposes ONLY.
To purchase a larger version of this image, search for the 6-character Image Name at:
www.painetworks.com
Search for the 6-character Image Name at the  above website, then click on the Price link next to the thumbnail image. 
Note: If the original Image Name has been changed, open the image in Photoshop. 
Go to File:File Info:Section:Keywords
The Image Name will be the top keyword.
sales@painetworks.com
tel: (701) 947-5932
tel: (888) 966-5932
fax: (701) 947-5933 

«كفُّوا عن سؤالي عن برنامجي: أن أتنفس. أليس برنامجاً كافياً؟». إميل سيوران [1].

ذات جماعة، سُئلت وأنا على وشك مغادرتها: «أخبرينا عن مشروعك الفكري الخاص الذي صرت تتبنينه، ما هو؟». كان ذلك، على نحو يقصد إِحراج خروجي، أو تسذيج هروبي.

اليوم، وأنا هاربة بغير ذات جماعة، أُسال كثيراً: ماذا بعد؟ ما جديدك؟ ما مشروعك المقبل؟ ما برنامجك؟ ما هدفك؟ ما رسالتك؟ إلى أين تسيرين؟ يأتي كل ذلك، على نحو يُخشى عليّ فيه من جديدي، أو يشفق عليّ مني، أو، أو..

تختلف الأنحاء (جمع نحو). والنحو هو الطريق الذي تسلكه. الجميع يريدك أن تنحو ما يتمثلّه هو، أو أن تتمثل ما يرتضيه نحوه، حيث نحوَّه هو البرنامج الأمثل، والمشروع الأكمل، والهدف الأسمى، والغاية الأبعد، والهروب الأخير، والخلاص الأول. الكل يخشى عليك (كما على غيرك)، أن تتنفس خارج أجواء نحوه، يخشى مغادرتك نحوَّه إلى نحوٍ آخر، يشفق عليك غربتك في الأنحاء الأخرى، أن يشتتك هواها، أن يخنقك هواؤها الغريب، فتموت فيها ولا تحيا. وربما يخشى على نفسه، أن تذره بشيء من هوائها الغريب، فتفسد عليه نقاوة عِرق هوائه، وتلوث قداسة نحوِه، بلوثِ غير.

«النحو» ليس مشكلة اللغة فقط. بل مشكلة الإنسان أيضاً. ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يتحرك على نحوٍ حر. والمبدعون (الذين يشقُّون نحواً آخر)، يؤرقهم دوماً النحو. ذات يوم قال حمزاتوف «أريد أن أكتب كتاباً لا تخضع فيه اللغة للنحو، بل النحو للغة» [2]. واللغة هي متنفس الإنسان الأكبر، ومتى كبّلها النحو، صارت خنَّاق الإنسان الأكبر. اللغة المختنقة لا تفقد قدرتها على التنفس وحدها، بل تخنق معها حضارتها ودينها وسياقاتها التاريخية وثقافتها. تفقد هذه كلّها سعة تنفسها. ربما يكون الدين، هو أشفُّ الأشياء في إظهار اختناق الحضارة واللغة. فمتى فقدت حضارته قدرتها على التنفس، يفقد الدين أيضاً، قدرته على أن يكون نحواً يسع اختلاف أنفاس الإنسان.

كان حمزاتوف يريد كتاباً غير خاضع للنحو، بل متسع بالنحو، كتاب يتصرف في تعبيره على نحو مبدع. الكتاب يمثل رئة الإنسان الفكرية التي تموت حين تفقد قدرتها على التنفس. لذلك ظلت روح حمزاتوف دائماً هائمة في جبال داغستان، كي يضمن لكتابه هواء لا يخضع لقواعد الجبال، بل لقممها.

السؤال عن برنامجي أو مشروعي، كان دائماً يستحضر في داخلي سؤالاً آخر، ترى هل يمكن أن أؤلف برنامجاً (كتاباً)، لا يخضع فيه الإنسان للنحو، بل يخضع فيه النحو (بما هو طريق) للإنسان؟ هل يمكنني أعمل وفق برنامج، على «نحو» لا يبرمجني؟

حين تكون إرادة أحدنا أن يؤلف كتاباً، من دون أن يسبق هذه الإرادة همُّ البحث عن نَفَس متَّسِعِ وتنفس جديد، لن يكون هذا الكتاب غير قواعد وبرامج تكبل رئة الإنسان كي لا تتنفَّس، لن يكون غير آليات تخنق نَفَسَه وعقله وفكره. والكتَّاب الذين تسبق إرادتهم للكتاب، إرادتهم للتنفس، هم كتَّاب يضيِّقون الأنحاء على الإنسان. لا فرق بين هؤلاء وبين أصحاب الأيديولوجيات والعقائد المغلقة والطوائف المختنقة والجماعات المبرمجة والسياسيون المشغولون بغنائم جماعاتهم، كلّهم على درجة واحدة، يقفون مانعاً كي لا يتمكن الهواء أن يخلخل رئة الإنسان أو رئة مجتمعه أو فكره أو عقله. يقف هؤلاء ضد الطرق التي توصل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. فطريقهم إلى الله لا يستقيم إلا عبر برنامج صراطه شعرة.

شعرة هذا الصراط لا تحتمل صراط المدينة الواسع، لا تحتمل ربيع الأنفاس المختلفة والمختلطة فيها، لا تقبل اختلاف إنسانها وتعدد طوائفها وأشكال مرحها وألوان ثيابها وبحر هوائها المفتوح على العالم. تصير الشعرة برنامجاً أحدُّ من السيف. تضيق حتى بمتصوفي الدين الذين ليس بينهم وبين السماء غير خرقة، يخترقون بها طريقهم إلى الله باتساع.

ليس أكثر من المتصوفة قدرة على جعل المدينة مكاناً للتنفس والاتساع. ولهذا ألَّف ابن عربي برنامجه في التنفس، فشق صراطاً واسعاً يأخذه إلى الله، وفي المقابل، شق صراطاً واسعاً إلى الله ليكون حاضراً في الإنسان ومدينته. كان فقه ابن عربي بقدر اتساع نَفَسه واتساع صراطه (برنامجه) واتساع خياله. وكان فقه الفقهاء الذين لا صوفة توصلهم بالإنسان، يضيقون بخرقته وتتخرَّق أنفاسهم به، فيخذلهم الخيال.

النَفَس الإلهي (بفتح النون والفاء)، عند ابن عربي هو مصدر خلق الإنسان، والإنسان تجلٍ من تجليات هذا النَفَس. ليس هناك أوسع من هذا النَفَس الذي هو أصل الإنسان، ومن عرف أن أصله هو هذا، سيعرف اتساع ربه لجميع خلقه باختلاف مللهم ونحلهم (من عرف نفسه عرف ربه). هكذا تتسع معرفة ابن عربي إلى حد أن يقول «قل في الكون ما شئت»، فسعة الله تستوعب كل أقوالك ومعتقداتك وأفكارك وأنحاءك، قل في الكون ما شئت وانح ما شئت وتنفس ما شئت. كل البرامج مشرعة على الله. تنفس فقط على أي نحو تشاء، وستجد نَفَسك يأخذك إلى الله، أو ما تعتقد أنه الله. هكذا يتكثّف نَفَسُك متحرراً من كفاف أسئلة لا يكفّ الآخرون عن حملها إليك مثل: ما برنامجك؟ ما مشروعك؟ ما هدفك؟ ما..

تعقيباً على مقالي السابق الذي قارَبَ كثافة النَفَس الإنساني المتمثل في نموذج «راشيل»، أرسل العزيز حامد الحوري يقول: «الهي علمني كيف أحيا، أما كيف أموت فإني سأعرفه» [3]. سأضيف: إلهي علمني كيف أتنفس، أما برنامجي، فإن نَفَسي كفيل به. أليس برنامجاً كافياً؟

هوامش

[1] إميل سيوران. المياه كلها بلون الغرق. ترجمة آدم فتحي. منشورات الجمل. ص 100

[2] رسول حمزاتوف، بلدي، ص .82

[3] http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7118

 

http://www.alwaqt.com./blog_art.php?baid=7188

 

قبل القراءة:  المراجعة أدناه للعزيز أحمد يحي الساري.  نشرت في مجلة البحرين الثقافية العدد 41. كما قام بنشرها في مدوَّنته الخاصة خلاصشكراً أحمد..

                  خلاص1

ماذا يحتاج الإنسان لكي يعرف وكي يفهم وكي يصنع وجودا وحضوراً في وجود؟ ماذا يمتلك الإنسان من أدوات قد تتطلبها هذه المعرفة؟ وكيف يعي أنه يمتلك هذا كله وأن حقيقة وجوده مرتبطة كل الارتباط بهذه الأدوات لا بغيرها؟ “”. ثمة أداة في أنفسنا نستطيع أن نتعلم بها دون نص ودون علم “مسبق”، أدوات أولى نرى من خلالها العالم ونخبره بها، وعن طريقها ندرك وجودنا ونطلب حقيقته.

من ذاق

“التذوق تجربة اختيارية” [1] هكذا فهمت باسمة القصاب “جماعة الأمر” التي تذوقتها لأول مرة وهي ابنة ثمانية عشر ربيعاً بعد مقدمات عاشتها في مجتمع أقل ما يوصف أنه متذبذب ومتقلب في اتجاهاته الدينية حتى عد أحدهم ميل أفراده إلى اليسار (فترة من الزمن)  وإدخال رموز اليسار في قصائد العزاء الحسيني بأنه لم يكون سوى تدين شيوعي! حالت شخصيتها التي استطاعت بحدة أن تخفي هذه القلق والاضطراب والحيرة دون أن تنخرط في أي من الاتجاهين المتنافسين على الساحة الدينية وقتها، إذا ما عد الجهر بالانتماء - دون الاشتراك في أي نشاط - بأنه انخراط.

قد يستغرق الإنسان زمنا طويلاً لكي يعرف أن يشغل أدواته الأولى بإطلاق في نفسه ووجدانه، ولكنه من المحال أن لا يكون قد قام بتشغيلها فعلاً، يتوازى هذا التشغيل مع الإنسان ليصيغ منه “سيرة” تتشكل فتبدو أو تختفي، تتبلور أو تتبعثر، تبدأ أو تنتهي، ولكنها سيرة، إنها سيرة للإنسان وأداته، وليست سيرة الإنسان وحده، وما يظهر من هذه السيرة هو التجربة، والتجربة هي الوقائع، لذلك هي مستحيلة النفي. ربما تكون القصاب قد فهمت من ذلك بأن كل تجربتها سيرة ذات تتشكل.[2]

إذا لم يشغّل الإنسان هذه الأداة بإطلاق فإنه يحتاج إلى أن يشغّلها بالتجربة، وحتى يشغّلها بالتجربة، عليه أن يستخدم أدوات أخرى يظن أنها ستوصله إلى العلم وإلى المعرفة وإلى الحقيقة، على أنها أدوات وهمية، والتذوق هي الأداة الأدهى ضمن جملة هذه الأدوات (إذا لم تكن كلها تذوق).

خلاص2

التجربة والخطأ: وهمية التذوق

أفهم ضرورة التذوق – على وهميته – بما هو أداة للتجربة لا بما هو تجربة، فالتجارب (باعتبارها وقائع) لا تتغير ولكن أدواتها يمكن أن تتغير فيتغير بها ما يترتب عليها من نتائج، ومع تبدل الظروف المحيطة بالتجربة، تتبدل الأدوات وتتبدل نسبة الخطأ لتتبدل الدقة في النتائج وتظل التجربة (بهدفها وبعناصرها ومحاورها) هي الثابتة، ومستحيلة النفي، “الحقيقة خطأ مصحح” [3] تصل بنا القصاب إلى النتيجة ذاتها رغم أن المقدمة قد اختلفت[4]!

تكمن خطورة التذوق بأنه وهمي، يشرب الإنسان الدواء فيستطعم مرارته مع أنه ضرورة، ولكنه يستطعم غير الدواء على أنه قد لا يكون له إلا داءً عضالاً، إذا كانت هناك ثمة مقاربة فإنها ستكون في الماء الذي لا بد أنه لا يحمل طعماً وضرورته أكبر من ضرورة الدواء، ولكن الإنسان يلهث إليه أكثر من الأطعمة التي يتذوقها! إنه إذن يذوق سراباً في ماء وهنا تتجلى وهمية التذوق.

“Try and Error“، نظرية التجربة والخطأ في التعلم تقدّس الخطأ وتجعل منه الطريق الأمثل للوصول إلى الهدف أو الصواب، والاعتقاد بأن الخطأ هو الذي أوصل إلى الهدف هو وهم، الخطأ ضرورة التجربة ومثار تصحيحها وليس الطريق إلى هدفها، وهذا الوهم هو ذلك الطعم الذي يمكن أن يذاق في كل تجربة، وبهذا الوهم يعتقد الإنسان أنه وصل إلى هدفه في حين أن ذلك هو ما أثر سلباً في قوامة طريقه إلى الهدف ولكنه ما سيجعله لاحقاً يصحح ويقوم ويطور هذه الطريق ليجعلها سالكة أكثر إلى هدف معلوم.

الجزء المجهول

الخطر كل الخطر، أن يكتشف المجرب، بأن تجربته كلها “تذوق”، فليس لهذا من معنى سوى أن هدفه كان غير معلوم، وعلى ذلك فإن كل مثال لاحق للتجربة هو تجربة مختلفة أخرى بلا شك، لأن كل عناصرها ومحاورها ستتغير بتغير الهدف.

ليس بمثل ذلك كانت الكاتبة تقول أنها تذوقت “جماعة الأمر”، ثم رفضت أن تقطع الصلة بها، أو تمحوها. فوق ذلك، ولأنها عاشت هذه التجربة على أنها كلها تذوق، أظنها لا زالت تردد إلى اليوم ولو بصوت خافت “من ذاق عرف”!! من ذاق “ماء” التجربة هو فقط من يعرف بأنها دون طعم، وأن ذوقها سراب ووهم، هو من يستطيع فقط أن يفك وينقد ويفيد بمعطيات هذه التجربة (أهدافها، عناصرها، ومحاورها)، هو من يستطيع أن يعبر عن المرارة أو الحلاوة فيها، هو من يستطيع أن يتعرف على طعمها أو خلوها من الطعم، التجربة بالنسبة للآخرين مجهولة حتى في معطياتها، إنهم يختلفون حتى على اسم التجربة، ولكن “من ذاق عرف”.

إذا كان الجزء الأول من التجربة مجهولاً فهل يكون الجزء الثاني من التجربة معلوماً، إنه جزء “عرف”، ذلك الجزء المحير والذي تختفي - بحسب اعتقاد “القصاب”- في حيرته حقيقة الحقيقة. [5]

“عرف” الجزء المحير

هناك ثلاثة تفسيرات لهذا الجزء على تجربة “الفراشة”، أولها أنها عرفت أن كل هذه التجربة هي تذوق، ، فمن ذاق “عرف” أنه يتذوق، ومن عرف أنه يتذوق (بالمفهوم الذي سقناه للتذوق) لا بد أن ينتبه بأنه واهم، وذوقه هذا تجربة وهمها يحيل إلى أنها حلم.

الذي يعرف بأنه يتذوق، ويتحسس الآن فقط طعماً آخر لهذا التذوق، يؤخذ قهراً أو طواعية إلى تذوق آخر، أي إلى تجربة أخرى، واختلاف التجارب اختلاف في أهدافها وعناصرها ومحاورها، وفي خصوص الهدف نجد بأن القصاب قد قالت بأن الهدف قد تغير فعلاً “وقرأت من جديد نفسي، بطعم مختلف، بحقيقة مختلفة”[6]، الهدف يتغير في لحظة ليكون هو النفس لا الجماعة ولا العالم ولا الحقيقة ولا غيرها “بدأت ذاتي تتحرر”[7] إنها الذات إذن، هي الهدف، وهي ما يجب أن يعرف، “فمن عرف نفسه فقد عرف الله”، “كلما داهمنا سؤال لا نملك له إجابة… نردد من ذاق عرف”[8] حين يتيه السؤال يضيع الهدف وتكون التجربة كلها تذوق ويكون التذوق كله تجربة.

أن تكون “القصاب” قد “عرفت” التذوق المعرفتين السابقتين، يحيل إلى أنها لا بد أن تستبدل التذوق (بما هو تجربة) إلى أداة أخرى أعلى من التجارب، يمكن لأي ذات أن ترجع إليها، إنها العودة إلى الأداة المطلقة التي بثت في كل ذات، تمكينها من كل المعارف والتجارب (اللاحقة والسابقة)، وتسليطها على كل وظائف الذات كما يسلط العقل أو القلب أو الفؤاد على كل وظائف البدن، هذه الأداة هي أداة الإنسان الجاهل والعارف، البسيط والمركب، المعتقد والمنفلت، ولكنها ليست أداة تجارب، إنها أداة حياة، أداة فوق العلم وفوق النص، أداة لا تعرف للوهم أو الحقيقة مفهوماً، أداة تعيش في فطرة طبيعية لا فطرة هابيتوس، أداة تضيف الجدل إلى العلم، وتجعله استحالات من المعرفة، أداة إطلاقها أفضل من تغليفها وتحويلها إلى غشاوة لا يجعلها إلا أن تكون شاهداً على تجربة، هي في أحسن حالاتها لا تستطيع حتى أن تحرك التجربة.

سابقاً، كانت “القصاب” في جماعتها تعتقد بأنها على مذهب المزايلة، أما الآن فهي تنفتح على “مجموع حقائق العالم”، هذا الانفتاح أو الاجتماع بهذا الحقائق ليس نقيض المزايلة، إنه ليس مخالطة، إنه مزايلة رديفة من نوع أعلى، فهي مزايلة لكل شيء بلا استثناء. لا زالت “القصاب” على مذهب المزايلة، ولا زالت تردد “من ذاق عرف”[9]، والسؤال هو كيف أثر هذا التذوق في تكوين الطاعة العمياء لدى أفراد الجماعة؟ وكيف استطاعت الجماعة أن تفرض عليهم تغليب الحواس على القلب؟ ومتى استطاعت القصاب أن تتحرر من تطويق هذه الحواس؟

بل ران على قلوبهم: تغليب الحواس على القلب

تعتبر فاطمة الزهراء أول سياسية عارضت النظام الذي تأسس في دولة المسلمين إثر وفاة النبي (ص) في المدينة المنورة، وقد نقل الرواة أنها قالت في خطبتها بـ”معاشر” المهاجرين والأنصار في المسجد (بل ران على قلوبكم ما كنتم تكسبون). يسهل لنا هذا الحديث أن نفهم ماذا يعني الاستشهاد القرآني الذي استخدمته فاطمة في خطبتها بكل الجماعة التي كانت كما يقول الناقل تضج بالبكاء وهي تستمع!

(قلوبهم غلف، ختم على قلوبهم، على قلوبهم أكنة، على أبصارهم غشاوة، أم على قلوب أقفالها، يحول بين المرء وقلبه، زاغت القلوب، زين لهم أعمالهم) كل تلك الألفاظ القرآنية تتوافق تماماً مع المعنى اللغوي لكلمة ران وهو “غلّب وغطى”!

الواقع حين يكون خيالاً

كيف يا ترى يغلّب الإنسان على قلبه بعض الحواس، ولماذا يحس بأنه لا يرى أمراً ما في حين أنه واقع. “كانت تحضر الخيال إلى واقعنا وتغيبنا عن الواقع” هكذا كان فعل الجماعة بأفرادها كما تقول القصاب بعد خروجها، هكذا كانت تفهم “خطاب اللسان الظاهر وخطاب القلب الحقيقي”، هكذا عرفت أن الجماعة لا غيرها “الانحراف على مسيرة الوسيلة” وهي “الجري إلى الوراء”. هكذا مست وكسرت فخارها الذي صاغته الجماعة بإتقان، ولكن يبقى السؤال الذي بدأت وأنهت به القصاب رحلتها مع الجماعة، كيف؟

حاولت القصاب جاهدة وبشكل عملي مبهر أن تستعين بالنظريات التي ظلت مركونة في الرفوف وفي صدور “أولي العلم” عن مثيولوجيا وانثربولوجيا الإنسان والمجتمع، لكي تستطيع أن تثبت بأن كل تجربتها إنسانيات تائهة شقت طريقاً ضيقا تريد أن تبلغ به الحقيقة، هي ذاتها تجارب جماعات ومذاهب وأمم غابرة تتكرر وتتعولم، ولكن كل استشهاداتها تلك كانت بعد خروجها من الجماعة، ابن عربي كان بعد ذلك، أما “سودهارتا” فكان يبعد عن خروجها قليلاً، وكان الواقع السياسي المتمثل بمرحلة “الميثاق” في البحرين قبل خروجها بقليل، وحتى بتجاهل عامل الزمن لم يتضح لنا كيف استطاعت أن تعرف القصاب بأن هناك ما كان يغلف فؤادها ويغلب حواساً أخرى على قلبها ولا يريها إلا جماعتها وحسب.

الطاعة التي لا ترى

“إنها طاعة ممتثلة إلى لغة” تقول باسمة القصاب. “وطوعت له نفسه قتل أخيه” يأتي فعل التطويع المشتق من ذات الطاعة ليكون بمعنى التزيين، وهو فعل ذاتي تماما كفعل “ران” و”غلق” و”غلف” و”أقفل” و”غشى”، فما الذي “تحكيه” الجماعة حتى تطوع بهذه السهولة نفوس أفرادها فتجعلهم لا يرون حتى ذواتهم؟ وهل يمكن أن تكون ذواتهم بريئة وبعيدة من هذه الطاعة براءة الشيطان من بني البشر؟ هل لهذه الجماعة ذات مستقلة ومتسلطة على ذوات أفرادها؟ وكيف استطاع أحدهم أن يتحرر منها (ذاتياً)؟

“خيالاتنا ألفاظ تحتاج إلى نظام للمعاني” هكذا أفهم حديث النفس الذي تقمصته بسهولة بالغة ذات الجماعة ولم تعجز أن تنطق به نيابة عن داخل كل فرد فيها ليعتقد بلا مواربة أن كل ما لديه في نفسه يحتاج إلى شيء من النظم وإن كان ذلك نظام لفظي ورمزي لا نظام معان، نظام أحلام ورؤى لا واقع ولا حقيقة، نظام خيالات يسوق معناه الخاص للهواجس والدواخل واختلاج الأنفس “إن للذنب عند اختلاج السرِّ الدفين صريراً وأنين موتى سترفعها تسبيح الملائكك”. هذه إذن العلاقة الذهنية بين كل ذات وجماعة مبنية على مسبقات وخيالات وكل ما يمكن أن تحدثك نفسك به.

بدا من السهل الآن أن نسأل كيف (استطاعت) القصاب أن تكسر شوكة هذه العلاقة بعد أن أقامتها بحبل متين؟ وربما يكون من السهل أيضاً أن نعرف بأن الذات التي صادقت على الجماعة وطوعت لها أن تنطق بما فيها هي قادرة أيضاً على حل هذا العقد بشيء من الرجوع، وبحسب الجماعة فإن “كل من جرى عنه هو إلى الوراء قد أُخذ”، والتخويف من العودة إلى الوراء هو كاف وحده إلى إثارة الرجوع إلى الذات، لأنها هي الوراء، وهي الأصل، الرجوع إلى الذات الذي جربته القصاب بمقدار ما جربت الجماعة 16 عاماً، جعلها بسهولة أن تنيم السر الدفين وتسكن اختلاجه لبرهة حتى تستطيع أن ترى أنه ما تحول إلى شيء غير خيال في خيال كما كان وكما سيظل، السر هو أن القصاب قد أطاعت نفسها فطوعتها ودخلت في الجماعة، وأطاعت نفسها مرة أخرى فطوعتها لتخرج من الجماعة.

بعـينيها

تظن القصاب أنها هربت بعينيها، ولكنها ترد على الجماعة فتقول أن العالم إنما هو مرآة القلب، إذن فهل هو القلب أم هي العينان ما جعلها تتعرف على نفسها وعالمها من جديد؟ “أوليس القول يخرج عن القلب، أو ليس القلب هو أصل العالم؟” هكذا ترد على لغة الجماعة، إنها لا تخشى بأن تدعي أن قلبها هو قلب العبد الذي وسع الله الذي لم يسعه كل العالم. ليست باسمة تعلو على العالم ولا على الإنسان، ولكنها ربما قد (رأت) بقلبها أنه “هو الجهة التي (ينظر) الله منها للإنسان …من كان قلبه الله، وكان وجهه الله، فكيف يكون العالم قفاه… أليس العالم وجه الله”


[1]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص 82

[2]عنوان الكتاب: “كالتي هربت بعينيها: تشكلات الذات المغلفة” وفي المقدمة ذكرت القصاب بأن الكتاب سيرة فكرية ما كان محل نقد

[3]أنظر “كالتي هربت بعينيها” ص المقولة لـباشلار ،

[4]تقف القصاب موقفا سلبياً من “المنطق” وهي تسلك مذهب ابن عربي في ذلك

[5]الحيرة حقيقة الحقيقة، مقولة لابن عربي،الذي تتأثر به القصاب كثيرا

[6]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص99

[7]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص 97

[8]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، بتصرف، ص 83

[9]الكلمة كما نقلت في الكتاب هي في الأساس لرابحة الزيرة (إحدى أفراد جماعة الأمر) في حوار لها مع علي الديري، أنظر كتاب “كالتي هربت” ص 81

راشيل.. كثافة أن يكون "كلك" إنساناً..

 

إهداء إلى رشاد أبو داود..

من أراد الحقيقة رؤية لا رواية، فلابد أن يدفع عينيه ثمناً كثيفاً، لا كفيفاً..

 

راشيل كوري

 

ما الذي يجعل من أفراد، لا تربطك بهم أية صلة من قرابة أو ثقافة أو لغة أو عرق أو لون أو دم أو دين أو عقيدة أو تاريخ مشترك، يحملون همَّ قضيتك، ينصفونك على من تربطهم معهم صلات القرابة والثقافة واللغة والعرق واللون والدين والعقيدة والتاريخ؟ هل يمكن للإنسان أن يهرب بعينيه من سلطة كل هذه الأشياء، ليتيح لها أن ترى ما لا تراه هذه الأشياء، أو أن يرى ما يناقض رؤيتها؟

لمدة ثمانين دقيقة، كنت مأخوذة على صهوة وجم كثيفة. لم تغادر عيني اضطرابها إلا نحو دهشتها، ولم تغادر شفتي رعشتها إلا نحو اختناقها. اختنقت بالسؤال. بدا وكأنه يتفتق فيَّ للمرة الأولى. الدقائق الثمانون هي مدة عرض فيلم «راشيل كوري ضمير أميركي»، للمخرج الفلسطيني يحيى بركات، عُرض ضمن مهرجان أفلام حقوق الإنسان الذي نظمته «جمعية الحريات العامة» مطلع يونيو/حزيران الماضي. تضمن الفيلم من الرصد والمتابعة والتقنية، ما أهله إلى حصد جوائز عالمية وإشادات إعلامية واسعة.

وكي لا أذهب بصهوتي بعيداً، فلدي مصارحة هنا، أن الفيلم لم يكن يقدم مشاهد جديدة، من تلك التي تيبَّست قلوبنا لكثرة ما شهدتها، وكررتها وسائل إعلامنا، حتى ما عادت تنجز فينا، في أحسن حالات ضمائرنا، أكثر من نكسة رأس. الفيلم، أخذني فوق ذلك نحو تلفت آخر. فقد كان يوثق المسار التاريخي لـ «حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني»، منذ بداية انطلاق الثورة الفلسطينية وحتى استشهاد الناشطة الأميركية «راشيل» العام .2003 التضامن هي حركة دولية، نشأت في الغرب، ينتمي أفرادها إلى بلدان وأعراق شتى، وإلى اتجاهات سياسية ودينية مختلفة تماماً. هم أفراد مختلفون في كل شيء. في اللغة والعرق واللون والدين والعقيدة والتاريخ. لكنهم يتوحدون في تضامنهم مع حق الشعب الفلسطيني المنتهك، وفي ما يحملون، من هم إيصال حقيقة ما يجري في فلسطين إلى كل العالم، بما فيها بلدانهم المنحازة لإسرائيل، أو المدافعة عنها.

في جماعات صغيرة، وغير محمية، ينزح هؤلاء إلى قلب مدينتي غزة والضفة الغربية، يلتحمون بشعب أعزل إلا من حجارة. يشاركونهم بيوتهم وطعامهم وحياتهم، كما يشاركونهم خوفهم ورعبهم وتهديد آلة الموت لحياتهم.

ما الذي يجعل هؤلاء ينكرون على أنفسهم أمن أوطانهم، ليلجوا وطناً مهدداً غامضاً؟ ما الذي يجعلهم يستبدلون استقرارهم بين ذويهم، بزعزعة مع غرباء؟

كانت الناشطة الأميركية راشيل كوري (23 عاماً)، على وشك التخرج في جامعتها «ايفر غرين»، قبل أن تتخذ قرارها بمغادرة تخرجها الأكاديمي نحو خروج آخر: أن تعاين حقيقة ما يجري في فلسطين بعين ذاتها، لا بعين إعلامها الأميركي. هربت راشيل بعينيها إلى قلب غزة والضفة الغربية. حيث الحقيقة هناك رؤية لا رواية. ومن هناك، أخذت تنقل إلى العالم حقيقة ما بدأت ترى. كان ذلك عبر رسائلها المكتوبة إلى والديها، وعبر تسجيلاتها المصورة التي هزت العين الأميركية المخدوعة. لكن راشيل ستدفع ثمن هروب عينيها كثيفاً، حين وقفت أمام الجرافة الإسرائيلية التي كانت تسحق البيوت وتقتلع الأشجار وتسوِّي كل شيء بالأرض. كانت راشيل تصرخ: «توقف. ألا ترى؟ ليس هنا سوى بيوت وزروع». أما الجرافة التي لا عين في عينيها، فقد كانت تصرُّ على ألا ترى شيئاً واقفاً على الأرض، لا تريد حتى أن ترى راشيل الواقفة تلوح أمامها، فعاقبتها، بسحق جسدها حتى الموت، وتسويته هو الآخر، بالأرض.

 راشيل 2

راشيل 3

 

جاءت راشيل إلى فلسطين إذاً، لتكثف سيولة حياتها في معنى جديد. كأنها تنصت إلى محمود درويش يقول: «من معنى إلى معنى أجيء، الحياة سيولة، وأنا أكثفها». غادرت راشيل سيولة حياة لم تبدأ، إلى كثافة الموت. يصاحبها بعض رفقاء الدراسة وناشطين من حركة التضامن. ولأن الفيلم يقصد مخاطبة المجتمع الغربي، فقد كانت عناصر هذه الحركة هي مادة الفيلم السائلة والحية. مشاهدات هؤلاء ومعايناتهم ونضالاتهم ومعاركهم ومواجهاتهم ومصادماتهم، من أجل شعب لا تربطهم به أية قرابة أو ثقافة أو لغة أو عرق أو لون أو دين أو عقيدة أو تاريخ مشترك. كان هؤلاء هم القوام الكثيف لهذا الفيلم المكثف.

   في حفل تأبين راشيل، ألقى أحد رفقائها كلمة قصيرة. قال: «إذا فقدنا اليوم عزيزتنا راشيل، فإن الفلسطينيين يفقدون في كل يوم العشرات من أعزائهم.. نقول للفلسطينيين: نحن معكم، نحن كلنا فلسطينيون».

من أين تأتي هذه الـ «كلنا»؟. كيف يصير هؤلاء المختلفون «كلاًّ» مع هذا المختلف عنهم

كلَّ هذا الاختلاف؟ بأي حسّ يتحرك هؤلاء؟ لم يكن هؤلاء يتحركون وفق ما يرونه واجباً دينياً يأخذهم إلى شهادة تمنحهم جنَّة. لم يكونوا يناضلون من أجل قضية وطنية أو عرقية أو تاريخية ترتبط بهم ويرتبطون بمصيرها. كيف لهذه الـ «نحن» أن تصير «كلاًّ» لآخر؟ هل يمكن للدين (كما نعيشه) أن يجعل الـ «نحن» التي فينا، «كلاًّ» لآخر. آخر لا يشاركنا الدين ذاته أو العقيدة ذاتها أو المذهب ذاته أو الجماعة ذاتها؟ هل يمكن للعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الثقافة أو التاريخ أن يفعلوا ذلك؟

لا يمكن أن يفعل ذلك أياً منها. فكل تلك الأشياء تقدّس الـ «نحن» وتمركزها، وترى الـ «نحن» علّة لوجود «كلّ» الآخر. الدين والعقيدة والقرابة والثقافة واللغة والعرق واللون والتاريخ، كلها سيولات تعطي معاني مختلفة لحيواتنا ومماتاتنا. لكنها سيولات شتى ليست تجمع وليست تجتمع. سيولات قوامها «نحن» متنافرة ومتصارعة ومتنازعة. الإنسانية وحدها جامع لها. والحسّ الإنساني وحده ما به تتكثف «كلّ» هذه السيولات المتنافرة. إنه الحسّ حين يتحرر من ضيق الـ «نحن» التي تعمل فيه، ليتسع بالـ «كلّ» الذي يذهب إليه. حينها فقط تصبح عين الإنسان كثافة، لا كفافة.

هكذا استطاعت راشيل ورفقاؤها أن يحرّروا عين إنسانهم من كفاف الـ «نحن»، فصاروا عيناً في قلب غيمة. تجيء هذه الغيمة، وسيولات العالم كلَّها من تحتها تجيء. تتكثف أبخرتها (السيولات) عند برودة سطحها (الغيمة)، ثم تعيدها الغيمة، بإذن الحب مطراً، لا تضار قطراتها، عند أية جهة من الأرض سقطت، فالأرض كلّها عطشى.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7118

مراجعات لبنان بين بنت القصاب وغسان

ذرائع

غسان الشهابي

نحمد الله أن هدأت الأمور في لبنان هدوءاً وإن كان مشوباً بالحذر، وتلاشت أصوات الرصاص ولكن الأصابع على الزناد لا تزال، في انتظار أن ينتهي الحوار تماماً، فإما أن تعاد السيوف إلى أغمادها، والرشاشات إلى مخازنها، وإما أن تصقل هذه وتلمَّع تلك.

p01_20080517_pic1_full

في هذا الخضم، أرسلت إليّ الصديقة باسمة القصاب مقالاً أعجبها للكاتب والأديب والصحافي أنسي الحاج يتفجّع تفجّعاً عاقلاً لما يحدث في لبنان، مشيراً إلى أنه لا يليق بأحد أن يسيطر على لبنان بالقوة، لأن ليس من شيم أي طائفة القوة، ولا تجوز ممالأة أي طرف على حساب الأطراف الأخرى، فلكل زجاجه الذي يمكن أن تصيبه حجارة الفرقاء والمدّعين، داعياً حزب الله إلى أهمية سماع ”العمق اللبناني” الخائف، وربما الهلع من جراء ترتيبه سيناريوهات ما سيحدث فيما لو بقي الحال على ما هو عليه. وطالباً من الشيخ سعد الحريري اقتفاء أثر والده لو كان حياً، لكان عمل على أن يبلسم الجراح لا أن يلقي اليوم بالتبعات، ويحاسب ويوزع الصكوك على الدوائر القريبة.

يستغرب الحاجّ في مقاله، وفي التفاتة لا ينقصها الذكاء ولا تحوجها الحنكة السياسية، إلى أن حلول لبنان غالباً تأتي من خارج بطنه، ضارباً المثل بمؤتمر الدوحة اليوم، والطائف بالأمس، والرأي السوري، والعنصر الأميركي، والنفوذ الإيراني والدعم السعودي والروائح الفرنسية التي تفوح من خلال القرارات التي تدعمها في مجلس الأمن الدولي، ليصل في النهاية إلى ”كان الأفضل أن يُسارع الأقوى إلى التنازل عوض الاحتكام إلى الآخرين. من لقاءات سويسرا إلى مؤتمرات السعوديّة وفرنسا انتهاءً بقطر، ما هذا البلد الذي لا يكبّر عقله إلّا في المهجر؟ وما هذه الحروب التي لا يقطف ثمارها إلّا الآخرون؟

فلننتظر صباح الغد علّنا نقرأ بعض حقيقة ما يحصل عبر تعليقات الصحف… الإسرائيلية!”

وكما انقسم اللبنانيون انقسمنا، بين من يرى في حزب الله الطهر المطلق، ويجب عدم قول ما يسيئه أو ما ينتقده، وأن يستغفر الله مراراً وتكراراً من ينتقد زعيمه السيد حسن نصر الله، وبين من يرى في هذا الحزب ”جرثومة” الحروب المقبلة على لبنان، وذريعة التدخل الأميركي الإسرائيلي بأكثر من حجج، وبالتالي، فالحزب - من وجهة نظر هؤلاء النفر - يبدو عاملاً مساعداً وتمكينياً وذرائعياً لضرب لبنان وضرب من حولها والحجج بذلك لا تنتهي.. هناك من ألقى اللائمة على أصابع إيران التي تستطيل، وهناك من علق الأمر بالمداهنة للمشروع الأميركي.

الأخطر من هذا الانقسام السياسي، هو الانقسام السياسي على الخلفية المذهبية، فهي التي أصبحت عقلنا الذي نحتكم إليه ومنه يبدأ التفكير لدى الكثير منا.

أهدتني الزميلة القصاب هذا المقال، وسبقته بتعليق:

- لا أعرف لماذا.. لكن.. يهزني كثيراً كلام هذا الرجل .. باسمة

- أكاد أعرف لماذا اهتززتِ.. وربما سبب هزتك.. فهو حديث التوازن بين رشاشين ولغمين ورصاصتين، وما دام ”ليس بين الرصاص مسافة” كما يقول مظفر النواب، فإن فرص النجاة بالمرور بين رصاص الفرقاء ضئيلة. ولكني أعتقد أنه النجد الذي علينا سلكه حتى يتحول الخيط الأبيض إلى واد نسير فيه، ويكون الخيط الأسود ذكرى. ولكن هل يهز الكلام نفسه الجاثمين في الدوحة؟

بل.. هل يستطيع هز الصّافين المصطفين على امتداد عالمنا العربي مع هذا الفريق أو ذاك بما يشبه تشجيع المشجعين في مدرجات كرة القدم.. الحب الأبدي.،. أو البغض الأبدي؟! لا أحد يعلم لماذا يشجع فريقاً رياضياً.. فلا الفريق يغدق أموالاً ولا اللاعبون يعرفون وجوه مشجعيهم.. ولكن المشجعين يغدون أحياناً أكثر حماسة من اللاعبين أنفسهم.. فيموتون من أجل الفريق ويتقاتلون ويصابون بالنوبات القلبية وهبوط ضغط الدم وارتفاع السكر. سمعنا عن من غيروا أديانهم.. مذاهبهم.. أفكارهم.. ولكنني لم أعهد مشجعاً انتقل من تأييد فريق إلى فريق إلا في الندرة التي لا تذكر.. هكذا نحن المتفرجين على ما يحدث في لبنان، العراق، السعودية، سورية، فلسطين.. انتماءاتنا أكبر من عقولنا. غسان

- ربما هو كثير مما تقوله مصارحتك غسان.. لقد أيبستنا السياسة، حتى صرنا أطرافاً معلولة، عن الحب مغلولة.. ولك أن تضيف لكل تلك البلاد التي ذكرت أسماءها، ما يحدث هنا في البحرين.. أؤمن أن السياسة شرنقة أخرى.. ما رأينا صنع السياسة فينا إلا قبيحاً.. وصنع الطوائف أقبح.. نكاد نختنق.. إلا أن نشق الشرنقة.. أو نهرب.. باسمة

- وإلى أين المهرب؟؟ الهروب تواطؤ صامت المشاركة زيادة في الإثم والعدوان.. وأصعب ما في الأمر اعتزالنا الفتنة. أي نفس تستطيع؟ أي فؤاد يقوى؟.. غسان

- ليتني أعرف.. ليتني أقوى.. ليتني أستطيع.. لكنت فعلت.. جميعنا مصابون بلوثة الوحل. الوحل يحاصرنا. الوحل يرجمنا. وحده الوحل مخرجك ومدخلك وتهمتك وجنايتك، ولا براءة لك منه مهما جهدت.. أنت موصوم به وكفى.. باسمة

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=6992

 

لمن يرغب الاطلاع على مقال “بعض المصارحة” لأنسي الحاج

http://www.al-akhbar.com/ar/node/73988

نمر في طرقات مدينتي

5_1206044812

· نمر مدينة وي..

حكاية شعبية من الصين، تقول أن حرباً دارت بين مملكتي وي وزهاو، فانتصرت الأخيرة، وتقرر نقل الأمير ووزيره إليها. حين جاء الوزير مودعاً الأمير، سأله: يا مولاي، لو أخبرك شخص أن نمراً يعيش في طرقات مدينتنا، هل ستصدقه؟ رد الأمير مستنكراً: كلا، كيف يعقل أن يعيش نمر في طرقات مدينتنا؟ قال الوزير: ولو جاءك اثنان وقالا ذلك، هل ستصدقهما؟ أومأ الأمير بيده نافياً. قال الوزير: ولو جاءك ثلاثة وجميعهم قالوا أنهم شاهدو نمراً يعيش في طرقات مدينتنا؟. أجاب الأمير: لو أخبرني الثلاثة جميعاً بذلك، سأصدقهم بلا ريب. قال الوزير: من الواضح أنه لا يعقل وجود نمر يعيش في طرقات مدينتنا. لكن إذا قال ثلاثة أشخاص ذلك، فإن حديثهم سيجعل الأمر، يبدو لك، وكأن نمراً حقيقياً يفترس الناس في طرقاتنا. ولأننا يا مولاي، مازلنا هنا، فإنه سيأتيك من عاصمة (زهاو) البعيدة جداً عن مملكتنا، أكثر من ثلاثة، سيفترون علي ويغتابونني، وآمل منك يا مولاي، أن تختبر حقيقة الأمور جيداً. رد الأمير: بالتأكيد، وهل أشك في وزيري!

قبل أن يبدأ الوزير رحيله، جاء حشد من الناس يغتابونه عند الملك. في نهاية الأمر، صدق الملك أحاديثهم. وحينما عاد الوزير نهاية رحيله، لم يقبل الأمير حتى مجرد لقائه. [1]

أمران يجعلان الروايات المختلقة والمشبوهة، تبدو وكأنها حقيقة: حشد يشهد بحقيقتها، وتكرار يثبِّتها مع الزمن. كلاهما (الحشد والتكرار)، قد يلبساننا بالوهم، لا لما يملكان من قدرة على الإقناع، بل لفرط ما يتيحان للاختلاق من مساحة تداول واسعة ينتشر فيها ويتمكَّن بها ويتقوَّى. عبر الوقت، تتمكن هذه المساحة من تغييب دهشة السؤال، والتخفيف من حدة التعجب والاستنكار، ثم لا يلبث الوهم، أن يستحيل بعدها من رواية مستنكرة، إلى أخرى مألوفة، ثم لا تلبث هذه، بمزيد من الحشد والتكرار، أن تبدو وكأنها الحقيقة عينها.

لهذا كان يكفي الأمير ثلاثة من المتقولين، ليصدِّق أن نمراً يتجول في طرقات مدينته، وكان يكفيه حشد من المغتابين، ليصدق أن وزيره الأقرب، صار نمراً آخر.

· نمر مدينتي..

سأقتبس فيما يلي، عبارات متفرقة، من مروية محلية، كثر تداولها في الأعوام الأخيرة، على نحو من الحشد والتكرار السابقين. تتحدث عن ”أعمال قتل منظم لحماة أمن الوطن من قبل مسلحين وخلايا إرهابية”، وأن "هناك تنظيماً وتخطيطًا للقيام بمثل هذه العمليات الإجرامية، يقف وراءها أفراد أو جماعات، تخطط وترسم لمزيد من العمليات، بهدف جَرّ البلاد إلى أتون الحريق". "هؤلاء الشباب غرر بهم وأصبحوا مجرمين وقتلة وأداة تدمير في عيون المجتمع". "الانسلاخ عن الوطن والارتباط بالعقيدة الصفوية واستبدال الولاء للبلد وأهله بالولاء لإيران"، "أصحاب الفتن وعملاء الخارج"، "حزب الله البحرين"، "المدسوسين من عملاء الأطراف الخارجية"، "خطط خمسينية لأطراف معادية خارجية"، "ولاءهم المطلق لخدمة سادات هؤلاء المخططين في الخارج"، "الإستراتيجية والخطط والأهداف صيغت في الخارج بل وزعت المهام في الداخل وتلك الأهداف هي في الحقيقة أهداف استعمارية"، "السؤال الأخطر الذي يبرز هو هل هذه الأعمال تستهدف الدولة ومؤسساتها الرسمية، أم أنها تستهدف فئات شعبية معينة؟ وهل تدخل في لعبة السياسة أم أنها تخطيط مدبر ومؤامرة كبيرة على البحرين"، "تنفذ من قبل مجاميع موزعة الأدوار"، "هو تنظيم مخطط يتحرك وفقاً لأهداف وتكتيكات وعبر أساليب مدروسة".

الاقتباسات أعلاه، ليست مأخوذة من منتديات الكترونية طائفية، من تلك التي تتعهد وزارة الإعلام (بغلقها)، باعتبارها أبواب فتنة طائفية، بل هي نزر، من حشد شبه يومي، تكرره صحف محلية وأقلام، لا أعرف موقف وزارة الإعلام مما تبثه، أو ماذا تسميه، ولا أعرف أين يمكن أن يصنفها ال300 الموقعين على وثيقة "صحافيون ضد الطائفية"، لكني أعرف أن مساحة صحافية واسعة، تهيأت لتداول هذه المروية، عبر أقلام، بدت وكأنها مختصة بصيررة هذه الحبكة النمرية، حقيقة طائفية.

ولنفهم آلية عمل هذه المروية، سنحاول قراءة تلك العبارات، عبر عيون لا تعرف طرقات مدينتنا. تراها كيف تتصورها؟

هل يمكن أن تتخيلها غير عراق أخرى، تسبح في دم طائفي لا يفتر. طرق تستبيحها (عصابات مسلحة) و(خلايا إرهابية) و(مجرمين وقتلة) ينتمون لطائفة معينة، (يستهدفون فئات شعبية معينة) من الطائفة الأخرى، يمارسون عليهم (فعل قتل منظم)؟

هل يمكن أن تتصور أبناء هذه الطرقات، غير قوة عسكرية مدربة ومجهزة ومدججة بالسلاح (المخبوء في مآتمها ربما)، تشارك في (مؤامرة كبرى)، مع جهة خارجية (إيران)، تدعمها مادياً وعسكرياً ولوجستياً. تحركها الأخيرة وفق (استراتيجية واضحة ومحددة)، و(تكتيكات مرسومة ومدروسة)، و(أدواراً موزعة)، للاستيلاء على البحرين؟ ولا يلزمها، بعد تصفية الطائفة الأخرى، غير الانقضاض على الحكومة بسلاحها المخبوء، والاستيلاء عليها، وتسليمها لإيران؟!!

قبل أعوام قليلة، لم تكن مثل هذه (الطريفة غير اللطيفة)، قادرة أن تقنع عقل طفل عاش سنواته القليلة في طرقات هذه المدينة. لكن الأمر اليوم لم يعد كذلك. فمن يطوف مستطلعاً منتدياتنا الالكترونية، التي حشَّدتها هذه المروية، يدرك جيداً كيف دجِّجت هذه المروية طائفة، لتؤجِّج ضدها طائفة أخرى، وكيف (نمَّرت) هذه المروية طريقاً، لتروِّع طريقاً آخر؛ تملأه نحوه بالخوف والكراهية. يدرك كيف اشتغلت هذه في نفوسٍ وقلوبٍ وعقولٍ، أُوغِرت على بعضها الآخر.

حينها، يحق لنا أن نشك كثيرا: هل تُشعل هذه المروية حكاية مشبوهة مفتعلة، لتحمي حكاية حقيقية مخبوءة؟ وهل تخلق هذه المروية نمراً من وهم، لتخفي نمراً آخر من لحم ودم؟!

[1] حكايات ونوادر من الصين القديمة. ترجمة إبراهيم بشمي. الأيام للطباعة والنشر. ص59

http://www.alwaqt.com./blog_art.php?baid=6979

 

خلافاً لعهدة المروية السابقة، ربما يرى البعض، أن حال نمر مدينتي المفتعل، يشبه حالة هذا النمر ..

(1)

5_1206044812

(2)