"جودا أكبر".. الحُب أكبر

تبقى قلوبنا مشتعلة بالحرب، حتى إذا مسّها الحب، صارت غيمة مثقلة بالمطر..

لعل هذا ما يمكن أن أوجز به، ذلك التناول التاريخي الممتزج بالمخيلة الفلوكلورية، في الفيلم الهندي "جودا أكبر". يحاول فيه المخرج "أشوتوش جواريكر" تقديم نموذج لتسامح ديني، عايشته الهند على يد السلطان المغولي جلال الدين أكبر، خلال القرن السادس عشر الميلادي.

كانت امبراطورية المغول في الهند آخر دولة تحكم الهند، دام سلطانها نحو ثلاثة قرون، منذ أن أسسها ظهير الدين بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري. توالى عليها عدداً من السلاطين. وكان "جلال الدين أكبر" أحد أبرز سلاطينها. عُرف عنه، أن الدولة في عهده بلغت أوجها السياسي. أكمل سيطرته على كامل بلاد هندوستان (باكستان وشمال الهند)، وزحف إلى الشرق حتى البنغال، ثم أدخل كل الدول الواقعة هناك (اسلامية وغيرها) تحت سلطته. اتسمت سياسته بالتسامح، والمساواة بين المسلمين والهنودوس في الحقوق الواجبات. وقام بتجديد نظام الإدارة، كما نجح في تنظيم حكومة قوية ودقيقة. [1]

يحاول الفيلم أن يلقي الضوء على ذلك البعد التاريخي، ويغوص في الذاكرة الهندية والمغولية، ليعرض قصة حب لا تزال موضع شحذ فلكلوري في الهند. ألهمت الفنانين والأدباء على مدى عصور، وتحولت إلى رسومات ومنحوتات وروايات وقصائد أسهمت في مزج الحقيقة التاريخية بالأسطورة. القصة تجمع بين الأميرة الهندوسية ذات الجمال والذكاء "جودا"، وبين الامبراطور المسلم المغولي "جلال الدين أكبر" المقاتل الطامح إلى توسيع حدود امبراطوريته عبر التحالف مع والد «جودا».

يتزوج "أكبر" من "جودا". الغرض سياسي بحت: توطيد أقاليم الهند تحت سلطة المغول. الزواج يُحدث رفضاً في المجتمع المحافظ. وكذلك بالنسبة لـ"جودا" المتعصبة لعقيدتها الهندوسية. تقبل "جودا" الزواج من أجل أبيها ودولتها فقط، مشترطة أن تبقى على عقيدتها وأن يسمح لها بجعل معبد خاص في القصر الملكي. هذا التوطيد السياسي لا يلبث أن يتوطّد منه الحب، ليخفت صوت التعصب العقيدي تدريجياً، ويحل مكانه التقارب والقبول، ورغم بقاء الزوجين كل على عقيدته، إلا أن ذلك لم يمنع الحب أن يكبر يوماً بعد يوم، بل أن يداخل الحب كل شيء حولهما، أن يرسم تاريخاً جديداً لهند متسامحة.

التوطيد السياسي لحكم المغول الذي كان يأتي عن طريق المحاربة والإرغام، يتحول مع "أكبر" إلى سريان بالمعانقة والاحتواء. يقول "أكبر" لرجالات دولته بعد أن يتمكن من قلبه الحب: "أريد أن يعرف الشعب أنني سوف أعانقهم مهما كانت ديانتهم". المعانقة تصل الناس. ينقلب تمرد الأمراء إلى احترام: "لو كنت أدري أنك على هذا القدر من الرحمة والعطف والانسانية لجئت اليك طالباً الانضمام الى مملكتك". يقول أحد الأمراء الأسرى لأكبر.

في حلقة ذكر في القصر الملكي، يقول أحد المتصوفة إلى جلال الدين أكبر: تُسأل الملائكة: ما الجنّة؟ فتقول: كل قلب يحمل نعمة الحب هو جنة. ثم تُسأل الملائكة: ما جهنّم؟ فتجيب: القلوب التي ليس فيها نعمة الحب يجب أن تسمى جهنم.

القلوب زفير جهنم لولا نعمة الحب. كان "أكبر" قبل أن يصير قلبه جنّة، يستجيب لجهنم القادة المحاربين ورجال الدين الذين درجوا على إحكام سيطرتهم على الناس والدويلات بالسيف والدم والدين، لكن بعد أن نضج الحب في قلب "أكبر"، راح يُسقط ما أدرجه هؤلاء من أحكام جهنمهم وأنظمتها، وراح يُنشئ أنظمة جنته الخاصة: احترام جميع الأديان والثقافات، إلغاء الضرائب المفروضة على الناس، تلمس حاجات الفقراء وقضاءها، حب الناس ومساواتهم بعضهم بالبعض الآخر.

راح "أكبر" ينصت لصوت قلبه وعقله وروحه وحبّه، صار يظلل الناس بغيمة الحب بدلاً من عنفوان السلاح. تمكن "أكبر" من تحقيق توطيدٍ أكبر للدولة المغولية في الهند. ما عجز عنه آباءه بالحرب تمكن هو منه بالحب، فـ"النصر العظيم عندما لا تذرف قطرة دم واحدة" كما يقول أكبر. حاول قادة البلاط الخاسرون للحب، أن يوهموه، أن دولة المغول ستفقد هيبتها بتسامحه، لكنه كان يريهم أن "القطعة النقدية تصدر صوتاً عندما تسقط، لا عندما يتم رفعها". ففي حين تُسقطك الحرب، فإن الحب يرفعك. هكذا أكمل "أكبر" سيطرته على كامل بلاد هندوستان، وصارت كل الدول الواقعة في الشرق حتى البنغال، تحت سلطته.

يبطل الحب مفعول الأصوات التي تزلزل خارجك بعنفها وغلظتها وكراهيتها وتعصباتها. يجعل قوتها تخفت في داخلك شيئاً فشيئاً، ليعلي صوتك الداخلي، يظهر صوت إنسانك الأنقى والأرقى، يحضرك مباشرة إلى قوتك الذاتية، يصير شحنك وطاقتك ووجودك الخاص، يصير دربك. لعل هذا ما عناه الفيلسوف بوبر حين قال "لن تصبح حياة الإنسان درباً، مهما كان مقدار النجاح، أو مقدار المتعة التي حققها، أو مقدار السلطة التي بوسعه بلوغها، أو الأفعال التي بوسعه القيام بها؛ ستبقى حياته بلا درب ما لم يواجه الصوت الذي في داخله". كان "أكبر" كل هذه الأشياء معاً، لكنه لم يصر يوماً درباً، حتى نجح في مواجهة صوته الداخلي، ونجح في مواجهة الآخرين به: إنني حُر الآن، سأفعل ما أراه مناسبا. يقرر أكبر. الحرية هنا ليست استهتاراً، بل وجداناً. أن تعثر على ما كان غائب عنك؛ صوتك الداخلي. ذلك الذي طالما حجبته عنك أصوات الخارج، وأبقتك محصوراً فيما تراه هي، ثم تركتك تلوي باحثاً عن نجاح أو متعة أو سلطة أو شهرة أو ملك، موهمة إياك أنها دربك أو صوتك، لكن كل ذلك، ليس سوى فتات ينشغل به قلبك، مادام فارغاً من الحب.

الحب يشعلك في درب آخر. يصفّي نفسك وقلبك وعقلك. يتواضع بك. يسمعك "الأغاني تملأ السكون". يريك أنه "يوجد جمال في كل خطوة منك". يريك "الحب يتموه في الهواء". يجدّد معنى الحياة في أنفاسك. يصيّرك درباً، لا حرباً.

[1] http://www.marefa.org/index.php/%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86_%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10468

جيران.. نسألك عن خربشات الكسيف..

 

تضامنا مع الحق (غير المشترط للنظافة) في التدوين..

وتلبية لرغبة المدون الزميل “كسيف”..

تنشر  أثر الفراشة رسالة الكسيف الاحتجاجية على الاختفاء

(غير المبرر) لأثر مدونته “خربشات مدرسية” ..

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

خربشات مدرسية في ذمة الله.. والسبب اسألوا ” جيران “

 

 

 

أخيراً أغضبت ” خربشاتي المدرسية ” أحدهم !

من هو ؟ صدقوني لا أعرف. ولكن هناك من استاء، وبلغ الاستياء به حداً جعله يخاطب إدارة جيران لحذف مدونتي. واستجابت الأخيرة لهذا الطلب بلا تنبيه ولا إخطار أو حتى تأنيب فقد أكون بالفعل دنست طهرانية هذا الموقع، ومسست بعفافه، وعبثت بشرفه، وانتهكت عرضه وطوله. كما أن الإدارة الموقرة لم تتجشم عناء الطلب بتصحيح أوضاعي وتشذيب ما يمكن تشذيبه بحسب وجهة نظرهم ووجهة نظر من أوعز إليهم لئلا أكون الجار الثقيل الذي يلقي في دوحة جيران الغناء (…).

ويالتواردالأفكار! فقد كنت على شفا حذف المدونة بنفسي، ولكن من استاء استعجل الأمر، ومن الواضح أن إدارة جيران لينة مطواعة تفعل ما تؤمر على الفور، وتفكر بالإنابة، وتتصرف بالوكالة.. ووالله لم أوكلهم ليتصرفوا نيابة عني، كل ما كان يلزمني القليل من الوقت حتى احتفظ بتدويناتي التي لا أملك نسخة منها وبالتعليقات عليها.

وفي بداية الأمر استغربت هذا التصرف(..)، فراسلت الإدارة ولم أمانع أبداً في حذف مدونتي إذا كانت تشكل ضغطاً عليهم وتسبب لهم الحرج، ومن الممكن أن تزلزل عروشهم، فلست من المولعين بالفرقعات، وكان طلبي الوحيد هو تزويدي بالتدوينات والتعليقات عليها، ولهم ما شاؤوا بعد ذلك، ولم يكن هدفي إعادة نشرها في مكان آخر، وإنما الاحتفاظ بها لنفسي.

أول الأمر ماطلوا، ثم طلبوا مني رقم هاتفي، ثم اعتذروا عن خطأ غير مقصود حدث مشفوعاً باعتذار آخر هو استحالة إرجاع تدويناتي والتعليقات عليها.. هل يصدق أحد في العالم هذا الهراء!!! الخطأ الغير مقصود لم يصب إلا الخربشات وآمل ألا يصيب غيرها. وقد أخبرتهم بكل لباقة هذه المدونة لا شأن لها بالسياسة فأنا آخر من يهتم بها في العالم، وهي لا تمس الأديان ولا تزدري الطوائف، كما أنها لا تبشر ولا تدعو لأي تفسخ قيمي وانحلال أخلاقي ودعارة فكرية(..).

ومع الأسف الشديد ما دام الإخوة والأخوات في جيران قد حسموا أمرهم نهائياً، فعندي تعليق بسيط ونصيحة أود تسجيلهما قبل أن أطوي نهائياً هذه الصفحة.

أما التعليق فهو: عمري التدويني قصير جداً، أقل من سنة، وقد وفرت لي هذه المدة صداقات متينة - واقعية وافتراضية - لم أكن لأتخيلها، واللافت أن هذه الصداقات تحققت لدى جمع ينتمون لثقافات ومناطق ومرجعيات نظر عديدة، والأهم من أجيال مختلفة، بل حتى أولئك الذين وجدوا صعوبة في فهم بعض المفردات المحلية الدارجة كانوا يتفاعلون بإيجابية مع الخربشات.

وفي هذا السياق، أود أن أشكر أصدقائي الذين كانوا المحرك الحقيقي للخربشات في عمرها القصير، والذين أكن لهم كل مودة وتقدير واعتبر ذرات الغبار التي تصدر عن ملامسة أحذيتهم الأرض أفضل من جيران. وهم ابتهال سلمان التي تنبأت في وقت مبكر جداً بإغلاق هذه المدونة، وحلفائي مجتبى والإمبراطور ورباب وملاذ ” جنان لاحقاً “، والأخ العزيز خالد ” ماشي صح “، وعائشة سلدانة وشيماء الوطني وحسين مرهون وأحمد جكي وعلاوي والدكتورة فطوم وسعاد الخواجة وجعفر العلوي وحسين عبدعلي وباسمة القصاب وعلي الملا ومارون الراس وهدى وفاطمة عباس وبنت الموسوي وفيرونيكا وودادو وكنكرية البحرين وغيرهم العشرات من عمدة مصر إلى حامل مسك دمشق. وهناك من دون شك حسين الجمري الذي أصبحت ارتقب طلته البهية كل خميس عبر ملحق فضاءات في صحيفة الوسط. وبفضل هؤلاء وغيرهم الذين غابوا عن الذاكرة وقت الكتابة، فلا مدونة عندي الآن حتى أعود إلى أسماء المعلقين والمعلقات، الذين بفضلهم وصلت الزيارات في بعض التدوينات إلى نحو 3000 زيارة (…)

أما النصيحة فلكل راغب في مواصلة التدوين أن يفر بجلده من جيران(..). لم تكن هذه أول مدونة تحذف فقد سبق حذف المدونة الأولى على مستوى الترتيب في لبنان، وربما غير ذلك. (..) وعلى كل من يملك مدونة أن يحتفظ أولاً بأول بتدويناته والتعليقات عليها حتى لا يتعرض للانتهاك كما حدث مع خربشاتي العزيزة، فقد حرمت العودة لها في ساعات الاكتئاب وأوقات الحزن لسرقة ابتسامات من التعليقات الطريفة والمفيدة.

 

” الكسيف “

لا شيء يأتي متأخراً، ما دام يأتي

 

 

 

 

إذا كنت تظن أن حلمك أتى متأخراً، أو أنه تجاوز عمرك..

إذا كنت تظن أن الحلم ليس ثوبك، وأنك لست مظهره..

إذا كنت تخشى الحلم، أو لم تعش الحلم بعد..

ما عليك إلا أن تنصت إلى هذا الحلم

I dreamed a dream.

ما عليك إلا أن ترى سوزان بويل Susan Boyle وهي تحول سخرية الجمهور إلى ابهار، يضعها خلال ليلة واحدة، في مصاف قمة الحلم

 

 

خلال أيام قليلة، تحولت قروية اسكتلندية في السابعة والأربعين من العمر إلى نجمة كبيرة في فضاء الإنترنت، بعدما جذبت أكثر من 20 مليون زائر شاهدوا غناءها المذهل خلال برنامج تلفزيوني بريطاني. لم تكن “عوارض النجومية” تظهر على سوزان بويل حين صعدت على المسرح للمشاركة في برنامج اكتشاف المواهب الموسيقية في بريطانيا Briftain’s got talent، إذ استقبلها الجمهور بالضحك استهزاء بلكنتها الاسكتلندية الفجة، ومظهرها البعيد كل البعد عن الأناقة والجمال. فقد ارتدت فستانا بتصميم قديم من الدانتال العاجي، وهي ممتلئة القامة، تبدو مسنة، يلف خصرها حزام من الساتان الذهبي، شعرها غير مصفف يغزوه الشيب، التبرج لم يعرف طريقا إلى معالم وجهها، مع حاجبين كثيفين، وشكل لا يمت بصلة إلى الموهبة والغناء..

كن حلمك..

 

 

”إذا كنت مسجوناً في أحلام غيرك، فإنك انتهيت”.
جيل دولوز
نحن نحلم؛ لأننا نريد مغادرة سجن ما. نحلم بالأمن لنغادر سجن الخوف. نحلم بالحرية لنغادر سجن الاستبداد. نحلم بالحب لنغادر سجن الوحدة. نحلم بالإنجاز لنغادر سجن العجز. نحلم بأن نكون، لنغادر سجن أن لا نكون. نحلم بما لا يكون، لنغادر سجن ما نحن كائنون فيه. الحلم علامة الإنسان المائزة. به يبتكر وجوده الخاص وبه ينوع صور حياته التي بها يرغب. ومتى فقد الإنسان علامته، انتهى وجوده الذي يصير به إنساناً. نحتفظ بقدرتنا على أن نحلم لنحتفظ بقدرتنا على أن نكون إنساناً كي لا ننتهي. فالمسافة بين الإنسان وأن يكون غيره، هو الحلم الخاص، وغيره تشمل النوع غير الإنساني.
الحلم حرية الكائن وعلامة سيادته، فالإنسان سيدٌ بأحلامه. تنتهي حياته من دون أن تنتهي أحلامه. أما الحيوان فهو في أحلام سيِّده كما يخبرنا جورج أورويل في رائعته مزرعة الحيوان. هناك كانت المزرعة حين كان الإنسان سيد الأحلام. وكانت الحيوانات في خدمة أحلامه، تعمل في آلة المزرعة التي يمتلكها الإنسان. وحين بدأت الحيوانات تحلم بحريتها، صارت المزرعة مدينة. وصارت الحيوانات سيِّدة بحلمها. فأنشأت ثورة على مقاس أحلامها. هناك بدأت الحيوانات تحلم بمغادرة سجن بؤسها وشقائها وتعاستها التي ترى الإنسان سببها، صارت تحلم بسعادتها التي لا سبيل لها إلا بالحلم. فكانت ثورتها الذي جعلتها سيدة نفسها. وصارت الحيوانات وجوداً آخر. وجود حر غير مسجون في أحلام الغير، الإنسان.
وكما أن في الثورات من يموتون وينتهون في أحلام غيرهم، كذلك في مزرعة الحيوان. فبعد أن صارت المزرعة مدينة ممتلئة بالحركة والحلم، انصرفت معظم الحيوانات عن أن تكون في حلم وجودها الخاص، فارتدَّت محض حيوانات تابعة، لا تملك القدرة على أن تحلم بنفسها، وراحت تعتمد أحلام قلَّة قليلة منها، تموت في أحلامها، تدافع عنها وتبرر لها وتذوب في شعاراتها، وتفنى. فانتهى وجودها (بما هي كائنات حرة مستقلة) حين انتفت قدرتها على أن تكون في أحلامها.
القلّة التي بقت مستمرة في أحلامها الخاصة. تولت السيادة على المدينة، وصارت تسخر ممن فقدوا قدرتهم على أن يحلموا، أو أن يتبعوا أحلامها. هل كانت تحلم بأن تصبح إنساناً آخر؟ في مزرعة الحيوان، صارت تلك القلَّة المتسيِّدة بالحلم، تمشي على اثنتين بدلاً من الأربع، تماماً مثلها مثل الإنسان، وأخذت تمارس وجودها وسيادتها وحتى سيطرتها وتضليلها، تماماً مثلما كان الإنسان يفعل.
كان الفارابي يقول ”من كان في ذاته فذاته له، ومن كان في غيره فذاته في آلة”. الآلة لا تحلم. والإنسان يكون في آلة متى فقد القدرة على أن يحلم. الحلم هو الذي يجعلك تكون فقط. وحين تفقده تكون في آلة فقط.
أن تكون في أحلام غيرك، أن تفقد مخيلتك الجهنمية وتكون في جهنم الآخرين. الذين يحيلون مدنيتك مزرعة باسم الثورة والدين والأيدولوجيا والمذهب والشعار وضرورات اللحظة والولاء المطلق. كل هذه الأسماء تدفعك إلى أن تنتهي، لأنها تخرجك من ذاتك حيث حلمك ومخيلتك وحريتك ومدينتك، إلى الآخرين حيث آلتهم وأمرهم وسلطتهم ومزرعتهم. تدفعك هذه الأسماء لأن تنتهي، لأنها تحبس حلمك الجامح للمعرفة والاكتشاف والتحول والتغيير، في سجن من حُلُمٍ مستقرٍ ثابتٍ غير متحول عبر الزمن.
المدينة هي المكان الذي يمنحك حق الحلم، المكان الذي تمارس فيه حلمك بحرية، المكان الذي تجرؤ فيه ليس على الحلم فقط ، بل على البوح بأحلامك الخاصة كذلك. مهما بدت أحلامك صغيرة أو كبيرة، غريبة أو بعيدة، فكرية أو دينية أو سياسية أو عقائدية، تبوح بها من دون خوف، ومن دون تخوين أو تهويش أو تهميش أو اتهام أو قتل، وإلا فأنت في مزرعة حيوان. قلة تمتلك حق الحلم، تمارس سيادتها على كثرة مسجونة في أحلام ليست أحلامها.
لكن المؤسف، حين تحسب الكثرة أنها مشتركة مع تلك القلة في ذات حلمها. حين تحسب إن ما هي مسجونة فيه هو حلمها ذاتها لا أحلام الآخرين. وأن حلم الآخرين هو اختيارها المحض وحريتها المحضة. ”كلما اشتد اعتقاد إنسان بأنه حر في تفكيره زاد اعتقادي بعبوديته الفكرية” يقول المفكر العراقي علي الوردي.
تخاتلنا أحلام الآخرين، وتتخللنا بعناية محسوبة، فتوهمنا أنها أحلامنا. تماماً كما صارت الحيوانات في مزرعة الحيوان، تتوهم أنها تعيش حلمها الخاص. أنها فانية في حلم ذاتها وذائبة فيه. أن ما تتحرك نحوه دفاع عن بيضة حيوانها، حماية لنوعها وجنسها الوجودي، مضيٌّ يحررها من سلطة الإنسان واستبداده واستعباده، بعث لقانون جديد في الحياة، استقلال عن السيادة البشرية.
هكذا كانت الكثرة تمضي في حلم القلة، ويقينها أنها تمضي في حلمها الخاص. وهكذا كانت تستجيب وتسمع وتطيع وتنفذ ولا تناقش ولا تعترض. وهكذا من دون أن تدري، تثور محررة نفسها من أن تكون في آلة إنسان، لتدخل نفسها في آلة حيوانٍ، سيصير فيما بعد، أشبه شيء بالإنسان الذي ثارت عليه. وهكذا تنتهي هي، وتنتهي مزرعة الحيوان، وهكذا أنت ”إذا كنت مسجوناً في أحلام غيرك، فإنك انتهيت”.
كن حلمك. ثم امض نحوه بقلبك وعقلك. ولا تبالي إذا ما انتهت حياتك ولما يكتمل حلمك. ستبقى أنت، ما دمت حُلماً، ولن تنتهي. وسيبقى حلمك، يؤلب أحلام الآخرين، يُحرِج سجونهم.

قهر القوة

 

 

 

 

 

دائماً للقتلة الحق، وعلى المقتولين الحق. دائماً القتلة مدافعين، والمقتولين هم المُعتدين. دائماً القتلة أبرياء، والمقتولين جناة إرهابيين. ولأن القتلة دائماً هم الأقوى، والمقتولين الأضعف، فإنهم وحدهم، من يمتلكون حق ابتداع التسميات، يمتلكون حق خلق التبريرات وسوق الاتهامات واختلاق الروايات وإصدار الأحكام، وتنفيذها أيضاً، وعلى الجميع: مقتولين ومتفرجين، أن يذعنوا لحكم القتلة، أن يتهموا قتلاهم، ويذوذوا عن حق القتلة في أن يكونوا أبرياء، فالقاتل بريئ حتى تثبت إدانة المقتول.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

 

 

هل يمكن لأحدنا اليوم، أن يكتب إلا عن غزة؟

وهل من شيء مخجل اليوم، مثل أن يكتب أحدنا عن غزة؟

 

كأن الكتابة ومسيرات الغضب والمظاهرات والخطب والبيانات، أشبه بإبراء مستهلك لذمة باهتة. كأنها ذرء خجول لعتب أن لا تسهم بأضعف إيمانك. كأنها تبرير هزيل لعار أن لا تبذل أضعف إنسانك..

اعتذر منك غزة. فأنا أضعف من أن أذرء عن نفسي عتب أو عار حتى بالكلام. الكلام يا غزة لا يأتيني حين آتيك. بل يأتيني شيء آخر. ليست تسعفني لغتي الخانغة. تلك التي تجمعنا عُرباً بك، بقدر ما تشقنا عنك وتشقيك بنا. محاولتي البائسة لذرء عتب هنا أو عار هناك، ليست سوى معبر رفح آخر. معبر خائن. ممتنع عن الصرف والعبور. معبر لا يكفيه أن لا يعبر بنا إليك، بل يصدُّ عنك حتى عبور الأنقياء من غير الأشقاء، أو لنقل، من غير الأشقياء.

 

لن يمر اعتذاري إليك عبر معبر شقيق. فالمعابر الشقيقة ما عادت أمكنة للعبور. إنها مكامن للخذلان. عبوري إليك عبر هذه اللغة ليس سوى يثير عتب آخر أكبر. ما أقبح ماءٌ يجري فيك يمدُّ خارجك عليك. ليس ذلك نهر. بل علقم. ما أبشعنا ونحن نفيض إليك علقماً ونضنُّ عليك معبرنا إليك.

غزة.. هل يأتيني غير صمت مقهور، حين تأتيني؟

 

الكلام هنا ليس سحابة مثقلة بالمعنى، بل بالقهر. القهر لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه ضعة ما هو فيه من عجز، فكيف به يدرأ العتب عن غيره. القهر يا غزة لست تعرفينه أنت. يعرفه الخانعون المذعنون المنصاعون الصامتون. أولئك الغارقون في صمت حقير وفي تواطئ جبان. أولئك المُغرِقين شعوبهم في قهر أبدي. ليتهم يستبدلون قوة ما يقهرون به شعوبهم، بوقوف جَلِدٍ أمام قوة تستذلهم. تلك القوة التي تعاملهم كمحض أشياء لا كدول، تماماً كما هم يعاملون شعوبهم كمحض أشياء لا كأفراد.

 

يقال أن “للأقوياء طريقهم الذي يسلكونه، أما الضعفاء فإنهم يتصرفون بطريقة أقرب ما تكون إلى صراع الفأر داخل المصيدة”. هو صراع الموت إذاً، أو صراع بقاء مهدَّد بالموت كل غفلة. فكأن للأقوياء على الضعفاء أبداً حق القهر والهدر، وللضعفاء على الأقوياء أبداً حق الانصياع والاستسلام. للأقوياء حق السيادة والانتصار، وللضعفاء حق الإذعان والانهزام. للأقوياء حق الاحتفاء بما فوق سقف الحياة، وليس للضعفاء من حق، سوى القبول بما دون سقف الموت. كأن على الضعفاء دوماً أن ينزلوا بسقفهم أكثر، كلما داس الأقوياء فوق رأسهم أكثر. عليهم أن يطأوا بسقف توقعهم (للحياة والحرية والعدالة والخلاص والديمقراطية والسيادة والمساواة) الأرض، ويطبقوها فوق رؤسهم. كلما جهر صوت القوة مهللاً باسم الحرية والعدالة والديمقراطية أكثر، دهست أقدامها فوق الرؤوس أكثر، جعلتها أوهامها التي تنشئ بها صور قهر أكثر، مصيدتها التي تنتج بها صور ذل أكثر، وفئران أكثر.

 

هكذا القهر، يولِّده الأقوياء، ويستمر في انتاج صوره الضعفاء، يعملون على تنويع صوره وتكثيرها. لكن أنت يا غزة، لم تنجح القوة في جعلك تنتجين صورة ذلّ تخضعك أمام قهرها. لم تسعفيها على خضوع منك، لقهر يقيده الاضطرار، أو يصنعه القسر. عودتِنا بعزتك يا غزة، أن تكبدي الأقوياء خسارة أن ينتجوك أو يمنتجوك وفق صورهم المُذلة. مصرة أنت يا غزة أن تخيبي ظن المزيد من الكائنات الخانعة والمستكبرة. وكأنك تقولين للجميع “لماذا ننسحب ونغادر اللعبة، مادام في وسعنا أن نخيب ظن المزيد من الكائنات؟”. ها هي المياه كلها حولك بلون الغرق، وها أنت تصرين على أن تخيبي ظنَّهم الآسن فيك. تصرين على أن تقهري القوة القاهرة، بعزيمتك الشامخة. ها أنت تجعلين الأقوياء يتخبطون في طريقهم الذي يسلكون، وتخيبين ظن الفئران المحبوسة في مصائدها البائدة.

أنت الباقية يا غزة. والغارقون في مصائد خنوعهم زائلون.

أم أمن دولة؟

 

 

دائماً ما تعيد الأحداث صياغة تعريفاتنا للأشياء. تجعلنا نعيد قراءة مسمياتنا الدارجة، متأثرين بقوة الحدث وسياقه وردود فعله. حادثة (الاعترافات) الأمنية الأخيرة كما بثتها أجهزة الإعلام الرسمية، وما أسمته بـ”مخطط إرهابي” يستهدف خرق أمن الدولة وخرق أمن الإنسان فيها، تجعلنا في حاجة لأن نعيد قراءة بعض القرائن الأساسية المرتبطة بمفهوم الأمن، ذلك المجني عليه، والمُتحدَّث باسمه اعتداءاً أو دفاعاً أو اتهاماً أو تخويناً أو حُكماً. وهو ما جعلني أُحاول الوقوف عند مفهوم “أمن الإنسان” في المقالة السابقة، وأحاول قراءة الفرق بين كل من “دولة الأمن” و”أمن الدولة” في هذه المقالة.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

ما الفرق بين “دولة الأمن” وبين “أمن الدولة” ؟

في دولة الأمن، الدولة هي أعلى السلطات السياسية. الدولة بما هي عقد اجتماعي منظم يوحِّد المجتمع، ويُنشئ القوانين التي تنظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، ويؤمِّن السلم الداخلي والأمن من العدوان الخارجي. الدولة هنا سلطة متعالية منفصلة عن الحاكم والمحكوم. والأمن وظيفته حفظ حق الدولة في الحياة، أي حفظ حقها في أن تبقى منفصلة عن الحاكم والمحكوم، وأن تبقى تمارس سيادتها وحياديتها بشكل طبيعي. دولة الأمن هي الدولة التي يرتهن فيها الأمن إلى سلطة القانون لا إلى سلطة الشخص (حاكماً أو محكوماً).

 في “دولة الأمن”، الدولة هي الأصل، والأمن شرطها وميزتها وتعريفها. ما تعقده الدولة عبر مؤسساتها وأجهزتها المستقلة من أنظمة وقوانين وتشريعات، هو ما يميزها ويعرِّفها. فبقدر ما تستهدف الدولة عبر قوانينها وأنظمتها القضاء ما يهدد أمن إنسانها، تكون دولة آمنة. أي كلما عملت جادة على توفير الاستقرار المادي لإنسانها، وتوفير الأمان الوظيفي له، والدخل المستقر والأمن الصحي والأمن الثقافي والأمن الشخصي والأمن البيئي والأمن السياسي والمجتمعي [1]، صارت دولة آمنة أكثر، وكلما غابت القوانين عن الاعتناء بهذه الأمانات صارت “دولة لا أمن” أكثر.

الأمن هنا هو أداة الدولة ليبقى مشروعها قائماً، أو لنقل مُنجزاً، بحسب تعبير الدكتور عبد الهادي خلف في كتابه ” بناء الدولة في البحرين المهمة غير المنجزة”. وما دام  نظام الدولة الأمني غير قادر على أن يُنجز الأمانات السابقة لإنسانها، أو ما دام لا يزال ينجز النقيض، فإن مشروع الدولة يبقى معلقاً أو غير منجز.

 النقيض يبدو واضحاً لدى النظم الأمنية التي تعتمدها الدول العربية. إذ تتحول الدولة مصدر تهديد لأمن مواطنيها بدلاً من أن تكون مصدر أمن لهم. ما يجعل منها (دولة أمنية) بدلاً من أن تكون (دولة آمنة). وهو ما يدخلنا إلى شقنا الثاني، وهو “أمن الدولة”.

ففي “أمن الدولة”، الأمن هو الأصل، والدولة تابعة له مرهونة به مستجيبة له. الأمن قوة فوق الدولة وفوق القانون، قوة لا تستهدف حفظ حق الدولة في الحياة، بل تستهدف إخضاع الدولة لسلطة عليا، لسلطة رفيعة المستوى.

الأمن هنا لا يتيح للدولة أن تتمثل نفسها كسلطة محايدة منفصلة عن الحاكم والمحكوم، لا يتيح لها أن تتشكل عقداً اجتماعياً تشاركياً توافقياً، لا يتيح لها أن تكون سيادة قانونية مستقلة فوق الجميع، ولا يتيح لها أن تنشئ قوانينها وأنظمتها بحيادية. في “أمن الدولة”، يصير الأمن قوة تابعة للسلطة الحاكمة، أداتها لإحكام سيطرتها على الفرد والدولة، قدرتها الجبارة على ضم كل شيء تحت وحدتها التي لا تقهر. في حين تصير الدولة محكومة بنظام السلطة الباسط نفوذه عليها، مرهونة بقوتها وبطشها وقبضتها وهيمنتها.

هكذا تستبطن كلمات مثل “الأمن” و”الدولة”، معانٍ مخاتلة ومضللة ومتباينة تصل حد التناقض. وهكذا نجدهما معنيين متتناقضين تماماً حين نميزهما بين “دولة الأمن”، وبين “أمن الدولة”.

فها هو الأمن في “دولة الأمن”، نظام يحمي الدولة، أما في “الدولة الأمنية”، فهو نظام هيمنة يحمي السلطة (أمن دولة).  

الأمن في الأولى أماناً لإنسان الدولة، كل إنسانها، بعيداً عن عقلية القبيلة أو الغنيمة أو العقيدة، أما في الثانية فهو تهديد لمن لا يشترك مع السلطة في القبيلة أو الغنيمة أو العقيدة.

وها هي الدولة في الأولى مجموعة المؤسسات والأجهزة تعمل مع السلطة على توفير حياة فضلى للمواطنين، وفي الثانية تتحول إلى مجموعة المؤسسات والأجهزة تستخدمها السلطة لإخضاع المواطنين لسيطرتها. في الأولى، الدولة كيان متعال، وفي الثانية، الدولة كيان مستخدم.

في الأولى يعمل الأمن عبر استتبابه الودود والحميم، على إحداث انصهار اجتماعي بين مختلف الشرائح والفئات التي تعيش متساوية، في ظل نظام يساوي بين حقوقها الحياتية، وفي الثانية يعمل الأمن عبر استبداده المتسلط والمهيمن، على إحداث فرز مجتمعي بين الطبقات والفئات المختلفة، التي تعاني من استخفاف السلطة بأمانها الحياتي الأبسط.

وهكذا يتناقض معنى الاعتراف أيضاً، ففي “دولة الأمن”، الدولة تطلب (الاعتراف) بالأمن بوصفه حقاً، وفي “أمن الدولة”، الأمن يطلب (الاعتراف) بالدولة بوصفها شخصاً..

وأخيراً.. دعونا نقدم اعترافاً صغيراً: هل نحن ماضون نحو “دولة أمن”، أم نحو “أمن دولة”؟

[1] أنظر مقال: غيابات أمن الإنسان. صحيفة الوقت. 4 يناير 2009

غيابات أمن الإنسان

 

هل يمكن أن توجد دولة آمنة، دون إنسان دولة آمن؟

ضمن اهتمام العالم بالتنمية الإنسانية، ظهر مفهوم “الأمن الإنساني”؛ أحد أهم المفاهيم الحديثة التي لا يمكن للدول والمجتمعات أن تحقق تنمية حقيقية إلا مرتكزة عليه. يهتم “الأمن الانساني” بالفرد لا بالدولة، باعتبار أن الانسان هو الوحدة الأساسية المكونة للدولة، وباعتبار أن الدولة لا تضع سياساتها الأمنية، إلا من أجل الوصول إلى إنسان آمن، ذلك الذي يمثل المقدمة الطبيعية للدولة الآمنة.

الأمن الإنساني المقصود هنا، هو ما يحفظ حق الإنسان في حياة كريمة مستقرة مطمئنة هانئة، حياة دون خوف يربك حاضرها أو قلق يهدد مستقبلها أو توتر يعرقل سيرها على نحو طبيعي. يركز “الأمن الانساني” على صون الكرامة البشرية وكرامة الانسان بجانب احتياجاته المادية والحياتية.

في التقرير الذي صدر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي عام 1999 بعنوان عولمة ذات وجه إنساني، وُضعت سبع تحديات أساسية تهدد الأمن الإنساني في هذا العصر: 1-عدم الاستقرار المالي. 2-غياب الأمان الوظيفي وعدم استقرار الدخل. 3-غياب الأمان الصحي. 4-غياب الأمان الثقافي. 5-غياب الأمان الشخصي. 6-غياب الأمان البيئي. 7-غياب الأمان السياسي والمجتمعي [1]. حضور هذه الغيابات السبعة، يحيل الإنسان إلى كيان مرتبك متوتر مهدَّد خائف. تحيله إلى كيان غير قادر على التعامل بثقة مع يومه وغده، غير قادر على التعامل بأمان مع نفسه وغيره، وغير قادر على التكيف مع الدولة التي يراها مقصرة في أن تؤمِّن له المستوى الأدنى من الأمن النفسي والمادي والجسدي والروحي والمعنوي والثقافي، بل قد يراها أكثر من ذلك، فبدلاً من أن تكون الدولة عقداً اجتماعياً وسياسياً يستهدف بالدرجة الأولى توفير الحياة الآمنة والطبيعية للإنسان، قد تصبح الدولة هي المهدِّد الحقيقي لأمن إنسانها.

الدولة التي تحظى بحضور عالٍ لهذه الغيابات غير الآمنة (غياب الاستقرار المالي، غياب الأمان الوظيفي والثقافي والشخصي والسياسي والمجتمعي…الخ) هي دولة مهددة بغياب الأمن، لأن إنسانها غائب عنه الأمن. الغياب ليس فراغ من الشيء، بل هو حضور لشيء آخر يحل محله. فحين تغيب الصحة يحضر المرض. وحين يغيب الالتزام بالقوانين التي تعمل على صون كرامة الإنسان، تحل محلها الانتهاكات التي تعمل على إذلال الإنسان. وحين يغيب الاستقرار المادي والأمان الوظيفي للإنسان، يحل محله الحرمان والتشتت النفسي والقلق الاجتماعي والتهديد المستمر بالضياع والعوز. وحين يغيب التوزيع العادل للثروات والعائدات والأراضي والممتلكات العامة، يحل محله الاستحواذ والاستملاك الجائر والاستيلاء والاستنهاب والتكالبات، يحل محله فقر وضيع وجوع مهين، يقابله ثراء صفيق وبذخ متبلد المشاعر. وحين يغيب العدل والمساواة والقانون يحل محله الظلم والتمييز والمحسوبية ومقايضات المصلحة. وحين تغيب المشاركة السياسية الحقيقية، يحل مكانها الاستبداد السياسي والتسلط وقمع الحريات. وحين يغيب الأمان الشخصي والسياسي والمجتمعي تحضر الفوضى (غير الجميلة) ويحضر السخط والغضب والاستياء والعنف والقهر. كل غياب هو استحضار مكثف لنقيض، وغياب الأمن هو استحضار مكثف للتوحش.

الأمن الذي لا ينبت من الداخل لا يستطيع أن يُزهر على سطح الخارج، مهما حاول هذا السطح أن يظهر مصقولاً وجميلاً وحقيقياً. الأمن ليس ثوباً محكم الأكمام، يُغطى أجساد أفراد مُساقين ذُلاً نحو (اعتراف). الأمن ليس ثوباً يُخفي آثار عنف يمارس على الأجساد في خفاء غير أمين. الأمن ليس اعترافاً مسجلاً مبثوث إعلامياً. ليس كلمات يُراد لها أن تُقال. الأمن (حضوره أو غيابه) يقرأ من حضور الوجه والصوت والتعبير والنبرة والنظرة وحركة اليد ووضع الجلوس وحتى الثياب. ويُقرأ قبلها من السياقات والخلفيات والتراكمات الطويلة. الأمن (حضوره أو غيابه) ينمو في عمق الداخل (الإنسان والدولة) ليستقر على تفاصيل الخارج. كذلك يفعل اللا أمن، لكن بتفاصيل أخرى.

الدولة التي تطمح لبناء أمن إنساني حقيقي، ودولة أمان حقيقية، بحاجة إلى استبدال الغيابات السبع السابقة (غياب الاستقرار المالي والأمان الوظيفي والشخصي والسياسي والمجتمعي..الخ) بحضورات أخرى سبع جديدة. حصورات ليست تصعيدية ولا تهويشية ولا تخويفية ولا تخوينية ولا زائفة ولا شكلية. حضورات تطمينية صادقة مخلصة حقيقية. بحاجة إلى حضورات تراهن على إنسان الدولة بوصفه مشروع الدولة الأول والأهم. الدولة بحاجة لأن تراهن على استحضار إنسانها غير المنصوص وغير المنصوب وغير المرهون بقبيلة أو عائلة أو مذهب أو معتقد أو ولاء سياسي مطلق. تراهن على استحضار خصوصيته ومكانته وكرامته وفرادته وأصالته. تراهن على اعتباره شريكاً موثوقاً ومعتمداً. تراهن على صدقه وحبه الذي به تقوم الدولة وبه تنمو وبه ترتقي وبه تتقدم وبه تأمن.

الدولة التي تتطلع إلى أمن إنسانها وإلى أمنها وإلى تنميتها المستدامة، بحاجة إلى استعادة إنسانها الذي يبدو وكأنه صار ذاهب (بسبب غيابات أمنه) إلى غيابات يأس بعيدة لا تُرمَّم..

[1] http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1184649218862&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout

سأخون وطني

 

حسناً.. ليس هذا محمد الماغوط؛ الأديب السوري الكبير، وكتابه الأشهر الذي صدرت طبعته الأولى في النصف الثاني من الثمانينات، وجمع  فيه  132 من مقالاته الصحافية المحلِّقة، ثم وضع له عنواناً يعتمل زفرة في صيغة قرار: “سأخون وطني”. كأن الماغوط قد نفق منه الأمل، أن يجد يوماً وطناً في وطنه، وطن لا يستهجن كرامة المواطن، ولا يستبيح إنسانيته، ولا يستخف بعقله وبذكائه، ولا يزدري مشاعره، ولا يستكثر عليه حاجته الأبسط، ولا يستدرجه نحو كيان مهشم مهمش مطحون، ولا يستفز جوعه وحرمانه وقهره ومعاناته، بمزيد من النيل من بقايا إنسانه. كأن الماغوط أقرّ أخيراً بأن كل ما تأنى لكتابته من قبل، وما تعنى لكتابته فيما بين منتصف السبعينات وحتى منتصف الثمانينات (بعد أن جمعه في كتاب في أكثر من 500 صفحة من الحجم المتوسط)، ليس أكثر من كلام خاسر، ورغبات خاسرة، وأحلام خاسرة، وآمال خاسرة. كأنه اعترف أخيراً أنه خاسر أكبر، ما دام هو مراهنٌ على الوطن، وأن الرابح الأكبر، هو من يراهن بالوطن لا عليه. الخاسر هو من يجعل الوطن قضيته، والرابح هو من يجعل الحظوة والجاه والغنى والمصلحة الشخصية قضيته. الخاسر هو من يجعل الوطن قبيلته وتاج رأسه، والرابح من يجعل القبيلة وطنه وتاج رأسه. قلت، ليس هذا محمد الماغوط. بل أُعلنها عن نفسي: سأخون وطني، وسأتلو شهادتي في مضابط خياناتي، ولن أبرر لها، ولن أدافع عني..
سأخون وطني، وسأصدق كل ما يأت به إعلامه الرسمي، من رويات ومرويات، وما يشبك مع منولوجاتها من خلفيات وجهات وتنظيمات خارجية وداخلية. سأُقنع عقلي الخاسر بكل ما يرويه هذا الإعلام الرابح. وإذا أصر عقلي (البخس) على ألا يقتنع بما لا يُقنِع (كما هو دوماً يفعل)، فسأحرمه من أن ينبض في داخل رأسي، وسأستبدله بآلة صماء، لا تدّعي فهماً ولا ذكاء ساذجاً موهوماً، سأستعيض عنه بآلة لا تجيد أن تنبض إلا بما تشحن به فقط، ولا تعمل إلا وفق كاتالوج (رسمي) مُعد لها.
سأصدق أيضاً، أن المرويات الأمنية، المولوتوفية حبكتها، المهترئة فبركتها، الهشة صياغاتها، الركيكة دلالاتها، المصطنعة افتعالاتها وانفعالاتها، المكشوف ما تريد الوصول إليه، المحسومة خطوتها التالية، المسبوقة تهمتها، المُحجوزة مساحة إعلانها وإعلامها، المسكوكة استنكارات نعَّاقها، المُعدَّة تصريحاتهم قبل وقوعها؛ سأصدق أنها الحقيقة التي لا يُخسِر من حقيقتها شك رجيم، بل تُخسر الشاك من وطنيته وولائه. وسأرى فيما لم أكن أرى من قبل ( لسبب هو في أصل عيني لا في أصل السبب)، أن قُرانا اليوم، وأكثر من عقد التسعينات المشتعل بالعنف، باتت تتحول الواحدة تلو الأخرى إلى مربعات أمنية خطيرة، مستودعات ذخائر مولوتوفية، تديرها جماعات عنف منظمة، تنفِّذ من هناك، مخططها لحرق هذا الوطن وهذا المواطن. يحدث هذا الآن، بعد أن وقع أكثر من 98% من المواطنين البحرينيين الأصيلين (قبل أن تصير المواطنة هبة غير أصيلة)، مؤيدين (غير مرغمين)، ومندفعين بحماس أصيل (غير مسبوق) إلى تأييد ميثاق عمل وطني، يُرتجى منه خروج مشترك من عنق زجاجة مولوتوفية البحرينية استمرت عقداً كاملاً.
سأكذب هذا إذاً: توقيع المندفعين نحو الميثاق، وسأقول مع وزير الداخلية بأن ضبط زجاجات حارقة هو “إرهاب خطير”، وسأضع مع الجهاز التشريعي قانوناً يجرم استخدام المولوتوف أو حيازته، وسنذهب بعد إقرار هذا القانون سريعاً، لنكتشف سريعاً ومتتالياً، مزارع تنتج مولوتوفاً، وبيوتاً مهجورة تصنِّع المولوتوف الذي يمد حركة الارهاب في هذا الوطن.
سأقتنع بهذا، وسوف لن أقتنع أن اكتشاف أسلحة ومواد متفجرة (مهرّبة من الخارج وغير مصنعة صبيانياً) في مناطق أخرى (خارج مربع أمن القرى المولوتوفية)، هو شيء من الارهاب.  سأقتنع أن ضبط المولوتوف يستلزم ضرب الدولة بيد من حديد، وتعزيز الوجود الأمني في المناطق المولوتوفية (كما جاء على لسان وزير الخارجية) [1]، في حين لا يستحق ضبط المتفجرات والأسلحة، إلا أن يكون خبراً صغيراً يطويه الإعلام كحادث عابر يمضي دون تعليق ودون استنكار. سأصدق أن الزجاجات الحارقة جزء من عمل سري منظم مدعوم من الخارج لا يمكن السكوت عنه، في حين أن المواد المتفجرة والأسلحة عمل فردي لا يستحق التضحيم.
وسوف لن أصدق الماغوط وهو يقول محرضاً: “الدولة لا تسأل المواطن عما يفعله من وراء ظهرها، إذا لم يسألها ماذا تفعل من وراء ظهره” [2]. سأصدق أن كل من يسأل الدولة عما تفعله من وراء ظهره، هو مواطن إرهابي يخفي وراء ظهره مولوتوفاً، وأن من يخفي وراء ظهره أسلحة ومتفجرات، ليس من الإرهاب في شيء ما دام لا يسأل الدولة عما تفعله من وراء ظهور المواطنين الآخرين.
سأصدق كل هذا، وسأصدق أيضاً وأيضاً، أن كل المشروعات والمخططات الاستثمارية التي تنجز من وراء ظهورنا في صمت مريب، وتتحرك في الأرض بتنافس يطاول السماء، وبسرعة مخيفة لا يمكن للعين المجردة ملاحظتها وملاحقتها، سأصدق أنها لنا (نحن المواطنين الذين لا نسأل الدولة عما تفعله وراء ظهورنا)، وأنها مشاريع وانجازات تعمل ليل نهار من أجلنا، من أجلنا فقط، من أجل رفاهنا وإعمارنا وتحسين عيشنا المدقع ورفع سقف أجورنا، ومن قبلها، رفع سقف رؤوسنا، وسأكذب ما نتلوى فيه، من فقر وجوع ومهانة، وما يتندر به علينا من ازدراء، بين معونة تُقر أو تتعطل نصف عام، وبين مكرمة تنزل علينا أو نترجاها في ذل الطالب المترجي، وبين عطية تتصدق علينا أو نُحرم منها، وبين هبة ننالها أو تُسحب منا لأننا لا نستحقها لفرط طول لساننا. 
وسأصدق أيضاً أن ذاك التقرير المثير المحرّم حتى يومنا هذا، محض كذب وغش وتلفيق ولا أصل له ولا حقيقة ولا معنى، لذلك، لم يكشف زيفه وكذبه وغشه وتلفيقه بعد عامين من نشره، بل منع من الصرف منذ أن ظهر، ومنع من التداول الاعلامي، ومنع من التساؤل عنه، وأقفل عن أن يعرف أي شيء عن مجرياته ومعطياته وأبطاله، وصار الحديث عنه جريمة أشبه بجريمة حمل المولوتوف.
سأخونك يا وطني، وسأصدق كل هذا وأكثر بكثير، ثم سأشرب في قلب ساحتك نخب خيانتي، رافعة “كأسك يا وطن”، ولن أبالي.

[1] http://www.alwaqt.com/art.php?aid=132696
[2] محمد الماغوط، سأخون وطني: هذيان في الرعب والحرية. الطبعة الخامسة.

الذهاب إلى البحر

 

"ليس أجمل من البحر إلا الذهاب إليه" قاسم حدَّاد [1]

فتنة الماء

لم يعد في جزيرتي بحر أذهب إليه. فالـ(بحرين) لم يبق منهما بحر متاح، بل ولا شاطئ، إلا منطوياً، أو خجولاً. وحين تريد الذهاب إلى البحر في جزيرتك، عليك إما أن تكون خاصاً، وإما أن تكون سائحاً، وأنا لست أياً من الاثنين.

الذهاب إلى البحر، يعني بداهة الوصول. بداهة وصولك إليه، وبداهة وصوله إليك. بداهة امتزاجك به. ماءً بماء. ليس أجمل من البحر إلا بداهته الغامضة. كان بحر البحرين جميلاً، بقدر ما كان بديهياً، وكان بديهياً بقدر ما كان قريباً ومتاحاً وموفوراً، بقدر ما كان منفذاً ومتنفساً ومكاناً، بقدر ما كان ممكناً الذهاب إليه، وجميلاً.

لفرط بداهته، كان بحر البحرين، يحل في البيوت اللصيقة، دون استئذان، ضيفاً _كما يصف قاسم حدَّاد بحر المحرق_ يفاجئها حين مدِّه، بامتداده فيها. يباغتها كضيف حميم مولع بالمفاجئات. لم تكن في حاجة الذهاب إلى البحر لتراه، يكفيك انعطافة بصرك نحوه، "كأن ثمة كائنا أزرق ينتظر الجميع في كل منعطف" [2]. كان بحر البحرين بديهياً بقدر ما كان بحر (كل) إنسانها. بقدر ما كان وصلِه وصلتِه. البحر الذي لا تصله ببداهة الماء، ليس بحرك.

غير قابل للتفسير

كان بحر البحرين بحرنا. كان ذاكرتنا وإنساننا. كان تراثنا وتاريخنا. كان (هوب يا مال) ـنا. كان رِزقنا وزُرْقَتَنا. كان أخلاقنا وطراوتنا. كان رحلة رجالنا وسلوى نساءنا ومرح أطفالنا ومرسى أنفاسنا وفيضها وعبقها. كان البحر كل هذا، قبل أن تقبض عليه برامج (الاستثمار). أضع (الاستثمار) هنا بين قوسين تشكيكيين كبيرين. لأن البرامج التي لا تحكمها سوى قوانين المادة الصرفة ( الربح والثراء والاستملاك والاستيلاء والاحتكار)، البرامج التي تتجاوز قيمة الإنسان، من أجل قيمة المادة، هي برامج جَشَعيَّة لا استثمارية.

هذه البرامج، لها بداهة أخرى لا تشبه بداهة البحر. فبداهة البحر ما يفيض ويعطي ويروِّح ويحمل وينقل ويصافح، وبداهتها (البرامج) ما تحتكر وتحوش وتكوِّش وتقتطع وتحتجز وتنازع. بداهة البحر مائية، وبداهتها ترابية. لا تفهم هذه البرامج صفة البحر، ولا تفهم الإنسان، القريبة صفته من أخلاق البحر، لا تفهم غير صفة الجشع.

لا يعني هذه البرامج الإنسان، الذي هو القيمة الحضارية الأرقى والأسمى والأرفع، لا تعنيها ذاكرته ولا تاريخه ولا تراثه ولا روحه ولا عاطفته ولا مشاعره، لا تعنيها علاقته بأرضه وناسها وبحرها وهوائها وعيون مائها وآبارها وبساتينها وزروعها وطرقها وزرانيقها وبيوتاتها. لا يعني هذه البرامج عبق كل هذه الأشياء المعنوية الجميلة. لا يعنيها إلا ما تدرَّه عليها الأشياء من ربح مادي صرف. هي مأخوذة، بما يمكن أن يحقق أكبر قدر من الثراء الفاحش لقلة من الناس، ولتبقى غالبية الناس، بعد أخذها، بين اختناقتين؛ بين اختناقة الفقر المدقع، واختناقة الذاكرة المدفونة حد الوأد. 

في سفري الأخير لماليزيا. كنت كلما انعطفت إلى البحر، هناك، اختنق في داخلي سؤال: هل صار الذهاب إلأتيت من جزيرة ينقصها البحرى البحر، مشقةً، لا نبلغها إلا في سفر؟!

كانت جزيرة (بيننج) جميلة بما أتاحت لي من ذهاب أفتقده في جزيرتي. ففي السفر أنت تذهب إلى ما ينقصك. وأنا أتيت من جزيرة ينقصها البحر. جزيرة ليس البحر هو ما يُنقِص ترابها من أطرافه، بل ترابها هو ما ينقص البحر من مائه.

في ماليزيا، تحترم البرامج الاستثمارية البيئة، فضلاً عن احترامها للإنسان. لم يعرقل هذا الاحترام، وهذا التفهم، وهذا اللا جشع، نمو الدولة السريع والكبير، بل هيأ لها أن تكون نمراً اقتصادياً آسيوياً كبيراً، كما هيأ لإنسانها أن يكون قلباً في مشاريعها لا هامشاً. وكان من جملة احترامها، أن تركت بحر جزرها، مفتوحاً على الطبيعة والإنسان. تركته نفساً عميقاً، لا برنامجاً طفيحاً. بينما راحت برامج الجشع، باسم الاستثمار، تحوِّل، دون خجل أو وجل، أكثر من 97% من سواحلنا، إلى أملاك خاصة [3]. منشآت فاخرة. فخامتها (طفيحة). لا ذاكرة لها، ولا عمق إنساني، ولا اعتبار أخلاقي، ولا قيمة وطنية. أقول دون خجل؛ لأن الخجل والوجل، مشاعر إنسانية صرفة، وهذه البرامج، مشاعرها مادية صرفة، والمادة الصرفة محجوبة المشاعر، فمن أين يأتيها الخجل؟

كان لعب أطفالنا

بوعي منظَّم، راحت برامج الجشع هذه، تدفن علاقة، بديهية حد الغياب، حميمية حد الافتتان، بين كائنين شفيفين، مختلفين حد التماثل: بين إنسان هذه الجزيرة، وبين بحرها. كيف لبرامج استثمار، لولا أن مادتها الجشع الصرف، أن لا تخجل، وهي تفضُّ علاقة كهذه، بين كائنين، عمرها تاريخهما؟!

 لم يبق من بحرنا إلا الذاكرة الممتلئة به. يروي إنسان هذه الجزيرة حكايات البحر لصغاره، فكأنهم لا يصدقون ما لا يرون. تماماً كما تروي ذاكرتنا الجمعية، مرويات أخرى عن جزيرتنا، نتهمها بمبالغتها وتطرفها، وربما طائفيتها. أقول، لا يصدق صغارنا حكايات البحر، تماماً كما لا يصدق لهفة الماء البادية علينا، من نخبره أنا قادمون من جزيرة. وتشتد دهشته حين يعلم أنها 33 جزيرة. لا يصدق كيف لأنفاس قادمة من جزيرة، أن تأت البحر بكل هذا التولُّع والشغف وبكل هذا الشعور بالفقد. لست ألوم عدم تصديقه، بل أني مثله، ومثل الصغار تماماً، أريد أن أصدق..

أتاح لي بحر جزيرة (بيننج)، أن أمشي مرتدية نعال بحر غير مُستَملَك. يرتديه الجميع فلا يضيق بهم المكان. كان البحر أمامي كتاباً هائلاً وعظيماً. لا حصر له. كذلك الأنفاس المختلطة بالناس. لا مبتدأ لها ولا نهاية. كان البحر هائجاً غالباً. ساكناً نادراً. وكان رمل البحر، مثلي، جائع لا يشبع. كلما تمادى الموج في الفيض، تمادى الرمل في الامتصاص، وكلما انحسر، تأهب الرمل، ومعه قدمي العارية، لموجة تعود.

نعال البحر من أكثر عطشاً، الرملة أم أنا؟

هناك عرفت، أنا الآتية من قلب (جزيرة)، معنى أن تكون في جزيرة يحوطها الماء من كل صوب. هناك عرفت معنى أن ينتظرك ذلك الكائن الأزرق في كل التفاتة. هناك أمكنني أن أراه وألمسه، ببداهة عفوية غير متكلِّفة وغير مُكلِفة. هناك أخذتني غوايته الآسرة لأبحر "في ماء هائل غير قابل للتفسير"[4]..

هوامش:

[1]، [2]، [4] قاسم حداد، ورشة الأمل (سيرة شخصية لمدينة المحرق)، ص99، ص32 بالترتيب

[3] تقرير "سكودمور": 3% فقط من سواحل البحرين متاحة للسكان. صحيفة الأيام. العدد 6224. 25 مارس 2006م

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7766

الصور: شاطئ جزيرة بيننج ، ماليزيا، يوليو، صيف 2008

درويش.. يا أخا الجناح!!

أخو الجناح

لا أدري لماذا صباح يوم أمس السبت بالذات، استللت ديوانك أنت بالذات، من بين رفوف مكتبتي. لم أكن أعلم حينها يا درويش، أن قلبك المولع بالطيران البعيد، كان يتأهب في هذا اليوم بالذات، لتحليق أبعد..أبعد..أبعد.

ولا أدري لماذا كان ديوانك "لماذا تركت الحصان وحيدا؟ً" هو ما وقع بين يدي، وأنا لا أعلم حينها، أن حصانك الذي طالما أسقطنا مضرجين بقصيدته، سيأخذنا اليوم إلى سقوط آخر..آخر..آخر.

وكعادتي، حين أطمع في ارتشاف قهوة صباحية سريعة من لغة قادرة، حين أرغب في سيولة تكثف طعم مذاقي الصباحي، أغمض عيني، بعد أن أستل كتاباً أثق بقدرته على بعث الحياة في يومي، أقلب الصفحات، أضع إصبعيَّ بين ورقتين، ثم أفتح. لا أعرف أيضاً وأيضا، لماذا اخترت لي يا درويش، أن أقرأ قصيدتك "من سماء إلى أختها يعبر الحالمون". وأنا التي لم أكن أعلم أنك في مساء هذا اليوم، ستقرر، أيها الشاعر المثقل بالحلم، أن تعبر من سماء تحاصر طيرانك، إلى سماء تأخذك إلى موتك المشتهى؛ إلى سماء تنتظرها. لم أكن أنتظر هذا العبور المفاجئ يا درويش..

لا أعرف لماذا أيضاً، كانت الفراشة، هي ماء قصيدتك التي أوقعتها متعمداً بين أصابعي. ما أكثر ما تتواطئان أنت والفراشة عليَّ. تسمَّرت مكاني. أيعقل أن لا أفتح إلا على فراشة؟ أي فراشة هذه التي تصر على كل هذا الحضور المزلزل في كياني؟. تقول لي يا درويش "الفراشة ماء يحن إلى الطيران". ما أثقل هذه العبارة، وما أرهف جناحها. ما أرهف قطرات الماء، وهي تنفلت من عَرَق الفتيات؛ لتنبت في غيمة الذكريات. يا لفراشتك يا درويش، لا تفتأ تَكْسُر الكلمات، وتقول ما لا تقوله القصيدة. ها أنت ترجوها: خذيني أخاً لجناحك يبق جنوني معي ساخنا! يا فراشة! يا أمَّ نفسك، لا تتركيني لما صمَّم الحرفيُّون لي من صناديق.. لا تتركيني!. وها أنا أقرأ بوحك لها، فأعيد قراءتك بصوت مسموع، مشحونة بجنونك الساخن، مشحونة بجنوح جناحك، بجموح حصانك الوحيد، بشهوة الإيقاع في هاجسك الأبدي، بما لا تعتذر عنه، بحلمك العالي، بسمائك العارية، بجنونك الجذل، بما تثير به الناس.

كانت طفلتي (8 سنوات) تجلس قريبا مني، حين التقطت ديوانك من صوبي: سأقرأ هذا، قالت. أجبتها: محمود درويش مرة واحدة؟. بتحدٍ قالت: وماذا فيها؟ ومن هو محمود درويش؟. قلت لها: هو ماء يحن إلى الطيران. وأنت، قبل أن يصبح لديك جناحين من الكلمات، لا تستطيعين أن تقرئيه.

لم أكن أعلم وأنا أقول هذا، أن ماءك الحالم بالطيران، يا درويش، كان يخطط لأن يطير فجأة، إلى السماء، بعد ساعات قليلة فقط! لم أكن أعلم، أن اليوم فقط، ستكف يا أخا الجناح عن الحلم، لنكف من بعدك عن الطيران في حلمك. أنك ستعلن الذهاب طويلاً مع الفراشة. كأنك تسألها: أين تمضين بي، والقرنفل أسود؟ فتجيبك كما أجابتك قبلاً: إلى بؤرة الضوء في داخلي.. وأبعد .. أبعد.. أبعد..

لم أكن أعلم، أن اليوم (السبت)، سيقرر قلبك أن يعلن انفلاته الأبعد.. والأبعد.. والأبعد، بعد أن بقى في الهجرة والتشرد والتيتم والغربة والغياب والنضال طويلاً.. طويلاً.. طويلاً. لم أكن أعلم، أن ماءك الذي يحن دوماً إلى الطيران، ماءك الذي توزَّع فينا كنبض شريانك المفتوح، سيقرر اليوم، مغادرة كل ما صممه الحرفيون من صناديق، سيغادر حتى صندوق القلب المفطور، سينفلت من عَرَق الأرض، لينبت في غيمة مكثفة بالقطرات التي لا تموت..

لم أكن أعلم يا درويش.. يا أخا الجناح..