لست غنمة..

«الشاذ عن الجماعة للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب». المقولة يستدل بها أحد شيوخ الدين ضمن درس الأخلاق في إحدى الحوزات الدينية البحرينية. تأتي الدروس في أقراص مدمجة ضمن منهج حوزوي متكامل للراغبين في الدراسة منزلياً. الاستدلال يبدأ من «شيطنة» الشاذ عن صلاة الجماعة، لينسحب تلقائياً إلى «شيطنة» الشاذ عن الجماعة نفسها بما هي تكوين مجتمعي ديني في هذه الحالة. أثار هذا الاستخدام جدلاً بيني وبعض الصديقات اللاتي أتسع معهن في الاختلاف «تواظب إحداهن على تلقي هذه الدروس». يرين أن الجماعة التي تشكّلن في نظام عُرفها وتقليدها، هي قالب وجودهن الدنيوي وحصن أمانهن الأخروي، وأن الشذوذ محفوف بمخاطر الأهواء.
يرجعن إلى المنطق الشعبي السائد «قلدها عالِم واطلع سالم». يرين أنه يعصمك من الوقوع في أحابيل الشيطان والنفس والهوى وينجيك من المحاسبة. فأنت تقلِّد العالِم رقبتك في الدنيا، ليفديك برقبته في الآخرة. قالت إحداهن: ولماذا أشذّ عن جماعتي وأوجع رأسي وعقلي وأرهق فكري وأفلسف الأمور وأعقّدها «تقصدني أنا»، مادام هناك من هو أعرف وأعلم مني، ومن سيحمل الوزر عني يوم القيامة في حال أخطأه الاجتهاد؟
قلت في نبرة استفزازية متعمّدة: «الشيطان الذي سيقبلني ذاتاً مُفكِّرة، خيرٌ عندي من الجماعة التي لن تقبلني إلا غنمة».
****
منطق الجماعات يقوم على تحويلك «غنمة». لماذا غنمة بالذات؟ لأن «الحيوانات الأخرى تستطيع أن تمضي وحدها لتجد مرعاها، أما الغنم فلها صفة معروفة وهي السير خلف الراعي. فإذا أراد الانتقال بقطيعه من مكان لآخر، نادى بصوته المعروف فيتهيّأ القطيع كله ويتّجه نحوه، فيسير الراعي والخراف تتبعه كيفما اتّجه. ومن الصعب جداً أن يستطيع أحد صدّ الأغنام عن السير خلف راعيها».[1] الغنمة في خوف الذئب ما بقيت أبداً. قيل «إذا أردت أن تسيطر على أحد فأوهمه أنه خائف». ولأن الغنمة تحيا في ظل خوفها، لذلك هي لا تغادر ظل راعيها ولا تجيد السير إلا خلفه وعلى نهج خطه. فخارج هذا الخط ثمة ذئب متربص ينتظر لحمها. الأغنام غير قادرة على اختيار المرعى المناسب لها، هكذا روّضتها الطبيعة. لهذا فهي في اتباعها المطلق والمطيع والمسلّم للراعي، هو من يرعاها ويعتني بها ويقودها إلى المراعي الخضر وجداول المياه العذبة، وهو من يريحها من الحرّ في مكان ظليل، ويحميها من الذئب المتربص.
ضعف بنية جسد الغنمة وخوفها الأبدي، يفقدانها جرأة القرار، جرأة أن تشذ أو تختلف أو ترى ما يخالف رؤية الراعي. وحده منطق الغنم يحيل كل شيء إلى الراعي الذي بيده أمرها، بدءاً من طريق سيرها إلى اختيار مرعاها إلى نوع طعامها إلى حمايتها إلى تربيتها وحتى ذبحها وسلخها وقت الحاجة.
****
الجماعات لن تقبل لك/ منك أن تكون «إبلاً» مثلاً، ذلك أن الإبل هي من تقود راعيها، تسير أمامه لا خلفه كما هو حال الغنم، والراعي هو من يتبعها. لهذا يشعر راعي الإبل أنه أكثر خصوصية من غيره من الرعاة، فمن يرعى الإبل لا يعود يرغب في رعي البقر أو الأغنام.
يؤمن الراعي بقدرة الإبل على اختيار مرعاها الأفضل والأروح. تسير الإبل بوقارِ ما أودعها الراعي من ثقة؛ ممشوقة متزنة متأنية، رافعة رأسها للأعلى، فكأنها تسير بوحي الحب لا بمنطق الخوف، وفي أمان الثقة لا في قلق الشذوذ. تنزع الإبل بنفسها تطلب مرعاها، النزع في مصطلح الرعاة هو الموسم الذي تقرر فيه الإبل مغادرة مكانها بحثاً عن مرعى آخر، فيتبعها الراعي. وحين «تبرك» في مكان ما، يعرف الراعي أنها وجدت فيه ما يستحق البقاء، ستبقى الإبل ترعى فيه لشهور قبل أن تقرر الانتقال إلى مكان آخر. أينما حطّت الناقة يحطّ راعيها مسكنه، فهو في ثقتها. لهذا بنى الرسول مسجده الأول «قِباء» في المكان الذي بركت فيه ناقته بعد دخولها المدينة المنورة، فجعل من مبركها مكان صلة بين السماء والأرض، جعله مكاناً مباركاً.
لكن ليس الأمر نفسه مع الغنمة، وليس مع راعيها، فليس ينتظرها إلا الذئب إن نزعت، أو طلبت بنفسها مرعاها، هكذا يقول منطق الغنمة، وهكذا يقول لك منطق الجماعات.
****
الجماعات تحتفي بك بقدر ما تكون غنمة، وتنزعج منك بقدر ما تكون إبلاً. لا تريد منك الجماعات أن تسير في ثقة وعيك، بل تريدك مرهوناً بوعيها، أن تتمثّل وعي راعيها. الجماعة تتّهم وعيك حين ينزع باتجاه ما يراه عقلك وحاستك وفهمك ورؤيتك، وتمجِّد وعيك حين تكون غنمة منصاعة فقط. في الجماعة الوعي رديف الامتثال، ونقص الوعي رديف النزوع. وحين تنزع فإنك تصير شاذاً ينتظرك الشيطان كما الغنمة الشاذة مصيرها بطن الذئب.
تفاخر الجماعات بامتلاكها عدداً أكبر من الأغنام المنصاعين، تعتقد أن الانسجام في داخلها يتحقق بحُسن انصياع أغنامها، وأن سر قوتها تكمن في امتلاكها لقاعدة أكبر من الأغنام المنصاعة. أن تعد الجماعة لأعدائها ما استطاعت من قوة، يعني أن تتكاثر بأغنامها ما استطاعت، حتى ترهب باقي الجماعات المختلفة عنها ومعها.
****
في منطق الجماعات كما في الخطابات الدينية، يكثر الحديث عن منطق الغنمة والراعي. تسمع وتقرأ عبارات مثل: كبش الفداء، الخروف الضال، حظيرة الإسلام، الراعي الصالح، خراف المسيح. يحكم هذا المنطق الأفراد داخل هذه الجماعات وداخل التكوينات الدينية. ستكون استعارة الغنمة حقيقتهم التي يفهمون من خلالها ذواتهم. وبهذه الذات سينكرون عليك أن تشذّ عن أن تكون غنمة. سينكرون على ذاتك أن تكون «عاقلة، مفكرة، ناضجة، مدبّرة، مميِزة، مدركة، واعية» بما يكفي لأن تختار وتقرر بنفسها.
سيكون «الشاذ عن الجماعة للشيطان، والشاذ من الغنم للذئب» ميزان المفاضلة والتحذير والتخويف. فأنت إما أن تكون غنمة فتأمن، أو يتخطفك الشيطان.
هكذا تعمل هذه الخطابات على ترويض نزوعك وتحجيم اختلافك وتسميم بئر وعيك وعقلك وفكرك الخاص، فتجعل من كل اختلاف شذوذ، وكل نزوع نحو وعي آخر شذوذ، وكل فهم جديد أو رؤية جديدة شذوذ، وكل فكر يأتي من الخارج شذوذ، وكل نقد أو كشف لمأزق هذه الخطابات شذوذ، وكل شذوذ هلاك.
لست مع شذوذ متصارع متنابذ مع الجماعة، ولا متعالٍ أجوف، ولا لاهث وراء مصلحة شخصية أو منصب، ولا باحث عن شهرة، ولا ناسب إلى نفسه فضلاً أو تمييزاً أو تفوقاً. بل مع شذوذ ناضج يملك فهمه الخاص ورؤيته الخاصة وقراءته ومنطقه الخاص. شذوذ باحث، ربما يشبه نزع الإبل وهي تسير بتأنٍّ ووقار وبتحسس عميق للمكان، وهي حين تفعل ذلك فإنها ترى في المراعي كلها مساحات الله، وحين تبرك عند مرعى بعينه لفترة من الزمن، فإنها لا تلغي المراعي الأخرى ولا تسلبها حقها في أن تكون مكاناً آمناً للآخرين، فالأرض كلّها مرعى.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12780

قالب الصلاة

سأل أحدهم جلال الدين الرومي: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟
قال: الصلاة أيضاً، لكن ليست هذه الصورة الظاهرة فقط، هذه «قالب» الصلاة، لأن لها بداية ونهاية، وكل شيء له بداية ونهاية يكون قالباً. التكبير بداية الصلاة، والسلام نهايتها.
****
ثمة فارق بين ما يمكن أن نسميه «قالب» الصلاة، وبين «قلب» الصلاة. الصلاة التي تبدأ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالتسليم هي قالب الصلاة، لأنها تحدِّد وقت اتصالك وطريقته، وكل ما يُحدَّد فإنه يَحِدّ. الصلاة الأخرى التي يشير إليها ابن الرومي يتّصل منها القلب، والقلب نقيض القالب، سمي قلباً لأنه يقلِّبك في حالاته وأوضاعه وتجلياته ومكاشفاته ومعايناته ومشاهداته ومجهولاته، أما القالَب فيصبَّك فيه صبَّاً، يصبّك وفق شكله ويحدّك ببدايته ونهايته وسعته أو ضيقه.
يبدأ «قلب» صلاتك حيث ينتهي «قالب» صلاتك. حيث تغادر ضيق قالبك ومحدوديته ونهائيته، إلى سعة قلبك ولا محدوديته ولا نهائيته، هل أمسكت يوماً حدود قلبك؟! لكنك حتماً ممسك بأقصى حدود قالبك. الكثير من قوالبنا المعتمدة مجتمعياً وثقافياً، نتعلّم حدودها قبل أن نتعلّم النطق حتى، لكن للقلب دوماً شأن آخر. لا يقبل القالب إلاّ صورة واحدة فقط، هي تلك الصورة المعدّة له سلفاً، بينما يقبل القلب كل صورة. لهذا كان ابن عربي الذي حرّر قلبه من ضيق القوالب وسلطتها يقول «لقد صار قلبي قابلاً كل صورة، فمرعى لغزلان ودير رهبان، وبيت لأوثان وكعبة طائف، وألواح توراة ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أني توجهت، ركائبه فالحب ديني وإيماني». هذا الدين (دين الحب)، لا يمكن لأصحاب القوالب أن يقبلوه، لهذا اُتُّهم ابن عربي بالكفر والزندقة والإفك والضلال ووو. القوالب تقوم على الاستثناء لا الاتساع، هي لا تتسع لدين تقوم ركائبه على الحب والتسامح والقبول والتعدد والتنوع، بل تحصر الدين في قالب واحد على جميع ركائب أهل الأرض أن يتشكّلوا وفقه.
القالب سلطة حدّ والقلب سلطة حُب وفرق بين السلطتين. سلطة القلب دائماً تُقلِق سلطة القالب وتخيفها، فتلك الأخيرة سرعان ما تكبو حين يعلو في القلب الحب، ذلك الذي يأخذك إلى حيث لا تعلم.
الرومي وعبر إجابته على سؤال: هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟ كان يحاول أن يخرج بسائله من أن يكون القرب من الله مجموعة من القوالب. القرب لا يتحقق عبر قوالب الشعائر والممارسات والطقوس التي تنتهي صلتها بمجرد أن تنفض سجادة صلاتك، ولا عبر بياض ثيابك التي تحرص أن ترتديها بعناية وطهارة ونظافة، بل هو قلب ينبض ببياض الله في الأرض، قلب يجعلنا نحب صورة الله البيضاء ويد الله البيضاء وقلب الله الأبيض وحضن الله الأبيض، يجعلنا نشتهي أن ندخل صورة الله كل الوقت، أن نتشبه بها قدر الطاقة. ذلك هو قلب الصلاة، وتلك هي الصلة الأبقى والأقرب والأصدق والأخشع. ليست القوالب هي من تُحضر الخشوع إلى الصلاة، بل القلب هو من يفعل.
لماذا كلّما علا في مساجدنا وجوامعنا ومحاريب صلواتنا ومزاراتنا وأماكننا المقدسة صوت الصلاة، كبا فينا صوت السلام وتقلّص منا التسامح وغاب عنا الحُب؟ لماذا من ذات المكان، وبذات القدر من ارتفاع الأصوات، وربما أرفع، تعلو أصوات العصبية والكراهية والتهديد والوعيد والزجر؟ لماذا كلما اتسعت مساحات مساجدنا (التي نسميها بيوت الله) وارتفعت مآذنها، ضاقت صدور بعضنا على بعضنا الآخر وتقولبنا في جماعات أشدّ ضيقاً وتعصباً وتطرفاً؟ لماذا كلما أمعنّا في ارتداء أثواب التدين البيضاء، غادرنا (بذات الإمعان) بياض السلام، وصرنا نحمل للآخرين الرعب بدلاً من الطمأنينة، والخوف بدلاً من الأمان والاحتواء؟ أليست الطمأنينة والأمان والاحتواء هو نبض الله فينا؟
****

«أسامة»، فيلم أفغاني يروي حوادث قصة حقيقية في الحكم الطالباني لأفغانستان. في هذا الفيلم لن ترى غير الرعب في عيون الفتاة (12 عاماً) التي لن نعرف اسمها؛ سنعرفها فيما بعد باسم الصبي (أسامة). الطالبانيون يمنعون المرأة من كشف وجهها أو الخروج إلى العمل أو حتى مغادرة المنزل بلا محرم مهما دعت الضرورة، سيكون الإعدام رمياً بالرصاص في ساحة عامة، هو عقاب من تتجرأ على التمرد. والدة أسامة أرملة فقدت زوجها وعمّها في حرب السوفييت مثلها مثل عدد كبير من النساء، فقدت عملها كممرضة بعد أن أغلق رجال طالبان المستشفى الذي تعمل فيه، اضطرت بعد أن أعيتها الطرق إلى قطع ظفائر ابنتها التي لم تبرز معالم أنوثتها بعد، ودفعها للعمل في السوق كصبي لتحصيل ما يمكن أن يسد رمق حاجتهم اليومية.
ستعيش هذه الفتاة رعباً لن يكفّ عن أن يلمع في عينيها ويرجف على شفتيها طوال وجودها خارج المنزل، لن يهدأ رعبها حتى وهي في حضن جدتها التي ستبقى تهدهد روعها بحكايات قبل النوم. سريعاً ما سيأخذ الطالبانيون أسامة من دون إذن أهلها مع بقية الصبية لتهيئتهم وتدريبهم عسكرياً، وستكون أحكام الوضوء والطهارة والغسل والصلاة وقراءة القرآن هي الدروس التي سيتلقاها الصبية هناك. شيخ الدين السبعيني المكلّف بتعليم الصبية، سيهتم أن يقوم بنفسه بالاغتسال (جزئياً وارتماسياً) أمام الصبية، وسيهتم أن يراهم يطبقون الغسل واحداً واحداً ليتأكد من إتقانهم لـ «قالب» الغسل الذي علّمهم إياه. الصبية سيحولون القوالب التي يتعلمونها إلى متعة بريئة قبل أن تقولبهم كباراً. أما أسامة فسرعان ما ستنكشف حقيقتها بعد أن تبدأ أولى علامات أنوثتها بالبروز (الدورة الشهرية)، وسيتم جرها إلى ساحة الموت مع باقي النسوة اللاتي تجرأن على مخالفة «قالب» طالبان. الشيخ السبعيني سينقذ أسامة من حكم الموت الذي ينتظرها، سيفعل ذلك لا من أجل أن يحررها، بل ليتزوجها. وضمن طقس أشدّ جنائزية من الموت، ستقوم زوجاته الثلاث بتهيئة أسامة وتزيينها ليدخل عليها من دون اكتراث ببكائها الطفولي الذي لم يكفّ ينادي أمها. الأم التي لا تعلم عن ابنتها شيئاً. سينتهي الفيلم بالشيخ يغتسل مرتمساً في مغطس مجهز له خارج الغرفة!
هل هناك طريق أقرب إلى الله من الصلاة؟
كيف يمكن أن تكون قوالب الصلاة والغسل وقراءة القرآن قُرباً، مادامت لا تغسل ولا تطهّر ولا تنظّف إلا قالب الجسد فقط؟ كيف تكون قُرباً مادامت تُنجز كل هذا الرعب والفرض والمنع والقمع والفتك والبشاعة والاغتصاب والقتل الرمزي والحقيقي؟
****
أيتها الصلاة التي لا قلب لكِ: لتذهبي إلى الجحيم..
لا نريد قرباً من إله تشغله القوالب، بل نريد إلهاً يحتفي بالقلوب، التي هي ميزة الإنسان.

 

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12732

الـ”نبيل” المنتصر

«عزيزاتي.. أعزائي.. أحببت مشاركتكم تشخيص مرضي الذي ظهرت نتائجه في الأربع وعشرين ساعة الماضية، تبين أني مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية، وأنا بصدد عمل إجراءات للتأكد من التشخيص، ووضع خطة للعلاج في أحد المراكز المتخصصة في مثل هذه السراطانات. قررت وعقدت العزم على محاربة هذا المرض الخبيث وسأنتصر عليه».
أُرسلت هذه الرسالة على مجموعة دروب الحوارية بتاريخ 19 يناير .2010
بعد أربعة أيام فقط، يكتب الطبيب نبيل تمّام على صدر صفحته على موقع الـ «فيس بوك»:
«في 22 يناير/ كانون الثاني 2009 استقبلني الناس في المطار بعد رجوعي من غزة التي تقاوم السرطان الصهيوني، وانتصرت غزة، وفي 22 يناير/ كانون الثاني هذا العام، ودّعني الناس لذهابي لمقاومة السرطان المرضي، وسأنتصر عليه».
كان ذلك صباح اليوم التالي لمغادرته البحرين نحو أحد المراكز المتخصصة في أميركا للتأكد من التشخيص وبدء جلسات العلاج.
في يوم واحد من ظهور نتيجته التي فاجأت الجميع بمن فيهم هو، يقرِّر تمّام إعلان مرضه الذي أُخبر أنه في مرحلته الثالثة، وبالقدر نفسه من سرعة الإعلان، يقرِّر أنه سينتصر. قراران هما أصعب ما يواجه من يمر بهذه التجربة، تلك التي تستهلك الكثير من انهيار صاحبها، قبل أن يستوعبها، وقبل أن يتمالك نفسه تجاهها. لكن تمّام يقرِّر أن يبدأ بالأصعب، أن يسبق المرض بإعلان الحرب عليه، أن يبادره بحرب نفسية تتحدى استعلاءه الذي طالما هزم أذهان المصابين قبل أجسادهم. يعرف تمّام جيداً أن الانتصار ليس خارجك بل فيك، وكذلك الهزيمة. لهذا سيعلن، لا للناس فقط، بل للمرض أولاً، أنه هو الأقوى وأنه هو من سينتصر، إعلان المرض قبل بدء تلقي العلاج نصف الهزيمة، وقرار الانتصار هو النصف الآخر للهزيمة.
قبل حوالي العام، كان نبيل تمّام ضيفنا في سوق الجنة [1]، يحدثنا عن مشاركته ضمن لجنة علاج جرحى غزة، تضم أطباء من كل العالم، يروي لنا رحلته القاسية والمؤلمة مع زميله علي العكري، لتوصيل المعونات المالية إلى غزة المحاصرة بسرطان الغزو الصهيوني، والاطلاع على الأوضاع والحاجات الماسة من أجهزة وأدوية ومؤن. لم يعد الطبيبان البحرينيان للوطن إلا بعد أن توقف العدوان على جسد غزة، ذلك الجسد الذي بقى منتصراً على الموت، رغم كل ما جرّعه له سرطان العدوان من نسف مدمّر شبه كامل. في مطار العودة، كان جمهور غزة البحريني، يستقبلهما بهتافات العزّة، وبأكاليل وردها المحمولة بالفخر.
قبل فترة قصيرة من تاريخ إعلان المرض وجوده غير المحمود داخل جسد تمّام، كان هو هناك مرة أخرى، عند أطراف غزة، يشارك حملة شعبية تناهض إقامة جدار العزل الفولاذي، ومن هناك، كان الـ«فيس بوك» وسيلته ليصلنا معه بكل ما يحدث، ساعة بساعة، وحدثاً بحدث، ثم ليبقى، حتى بعد مغادرته غزة، ينقل لنا ما لا يغادره من غزّة.
سيبقى تمّام مستمراً في بثّه المقاوم، لكن هذه المرة لا عن سرطان غزة، بل عن سرطان مرضه. سيبث أخبار علاجه بالقوة نفسها وبالمقاومة نفسها وبالشجاعة نفسها، فكلا السرطانين واحد، لا فرق بين ما يتغلغل في جسد وطن وما يتغلغل في جسد إنسان، طالما أنه وجود دخيل وغير مشروع، ستبقى مقاومته عزّة، ومحاربته نضال، والاستسلام له خضوع، والانهزام أمامه موت.
كل ما يباغتك/ يقتحمك/ ينتشر فيك، لينشئ كيانه على حساب كيانك الخاص، ليحيا على موتك، هو سرطان يجب استئصاله بلا ضعف وبلا خوف وبلا تردد. الانتصار هنا لن يصبح خياراً بل قرار، وحين تعلن قرار الانتصار، فإنك ستُباغِت بدلاً من أن تُباغَت.
يعود تمّام إلى البحرين في 12 فبراير/ شباط لمواصلة علاجه الذي بدأه في أميركا. أذهب لزيارته وزوجته في بيتهما في ”مقابة”. هي المرة الأولى التي أقابله وجهاً لوجه خارج جسد العالم الافتراضي. سأجد رجلاً مفعماً بحركته الرشيقة ومرحه وعفويته فيما يشبه السخرية من رهب المرض، سوف يداعب الجميع بروحه المرحة بعفوية تلقائية، سيقول للنساء اللاتي يأتين للسلام عليه: اعذرنني لأنني ممنوع من التقبيل. سيضحك الجميع. سيمازح زوجته جميلة عندما كان يتلقى العلاج هناك: تعالي لتري جسدي مشعاً كلّه. وأنت قبل أن تبادره بمواساتك الركيكة المرتبكة، سيبادرك هو بشحنك بتجارب من سبقوه إلى الانتصار، سيروي لك عن الاتصالات التي أتته ممن لا يعرف، من أميركا وأماكن أخرى حول العالم، تروي له تجاربها الناجحة مع المرض، عن المراسلات الالكترونية، وعن الكثيرين الذين تعرّف بهم في صفحة الـ«فيس بوك» في تلك الفترة القصيرة من حياته. ستجد أنك أنت من يستمد منه طاقة الحياة، أنك أنت من في حاجة لإشعاعاته تداخل جسدك المعتم، أنك أنت من في حاجة أن تتعلّم كيف ينتصر الإنسان ابتداءً. أن ينتصر قبل أن يعرف إلى أين تسير به المعركة الشرسة التي يدّخرها له الزمن، وقبل أن يعطيه خارجه «علاجه» شيئاً من علامات الانتصار..
أيها النبيل تمام..

لا شك أنك أنت المنتصر..

لمشاهدة المقال والتلعيقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12684

نَفَس هيباتيا الأخير

لم أملك دموعي وأنا أشاهد المقطع الأخير من فيلم «أجورا» (المعروض حالياً على شاشات السينما)، رغم تخفيف مخرج الفيلم للقتل المتوحش الذي أنهى حياة الفيلسوفة والفلكية وعالمة الرياضيات هيباتيا (370 – 415م). في هذا المقطع الأخير، يتم جر هيباتيا وضربها وركلها وتعريتها بالكامل، ونعتها بالكافرة والفاجرة والساحرة من قبل متطرفين دينيين مسيحيين هائجين، وفيما يستعد هؤلاء لإحضار حجارة الرجم، يدخل عبدها الذي أعتقته، يخنق نَفَسها بيده، لينجيها الشعور بما سيقع عليها بعد لحظات. أقول إن المخرج خفف بشاعة القتل؛ لأن الروايات التاريخية تقول إن هيباتيا تعرضت إلى الرجم والسحل والحرق وهي حيّة، لم تلفظ بعد أنفاسها الأخيرة. لم يكفِ هذا التخفيف ليمنع دمعة ساخنة أن تخرج، وأن تطلق سؤالاً ساخناً، أظنه يائساً هو الآخر، تماماً كما كانت نظرة هيباشيا في لحظتها الأخيرة: هل الإنسان متوحش بطبعه أم أن التوحش دخيل عليه؟ بمعنى هل ولعه بالقتل وسفك الدماء سابق لتعصباته الدينية والعرقية والسياسية والفكرية، أم أن هذه التعصبات هي ما يتوحش به؟! وهل الشعار الذي كان يرفعه المسيحيون يومها «باسم الرب سوف نطهر أرض الرب» هو حجتهم حينها للتوحش، أم هي ذريعتهم؟!
* * * * *
هنا، في هدوء العالِم، كانت هيباتيا تُفلسفُ العالَم، تحاول فهم العلاقة بين الشمس والكواكب الدائرة حولها، الوصول إلى قانون ينظم هذه العلاقة بما يستوعب جميع الكواكب في السماء. وهناك، في صخب الواقع، كان المتصارعون الدينيون يشعلون الإسكندرية حرقاً في علاقة اهتياجية ومضطرمة. كان أفق هيباتيا يحركه العالم الذي يحتضن أنفاس كل الناس، وكان أفق رجالات الإسكندرية يحركه العالم الذي لا يستوعب إلا النفس الواحد. لهذا كانت هيباتيا تكتم أنفاسها عن الدخول في انحيازات الأرض الصاخبة، وتطلقها نحو حياد السماء الهادئ والرزين.
أن تكون هادئاً في وسط صاخب، لا يعني أن تكون غير مكترثٍ بما يدور حولك، بل أنْ ترفض الانجراف خلف سلطة الصخب. هل قلت إن الصخب سلطة؟ تقود السلطة وعيك وإرادتك، أو تقودك من دون وعيك ومن دون إرادتك أحياناً أخرى. الصخب سلطة لأنه قادر أن يسلبك هدوء نفسك، أن يمنع صوت عقلك من الوصول إلى أذنيك، أن يقودك إلى أن تكون جزءاً منه، يفقدك عقلك واتزانك ووعيك، يجعلك غيرك. أحدٌ لا تعرفه: متوحش قاسٍ مهتاج. سريعاً ما ستدرك بعد أن ينتهي منك الهياج، أنك ما كنت لتكون ذاك الآخر، لولا أن الأمور سارت على النحو الهياجي الذي قادتك إليه. هكذا سينجرف والد هيباتيا الرياضي الفيثاغوري السكندري (ثيون)، غير ذات مرة، إلى ما سيندم عليه لاحقاً، مما لم يكن ليأتيه، لولا سلطة الصخب، ذلك الانجراف الذي تختلط فيه الأصوات، وتتداخل المشاعر، وتهتاج الانحيازات والتحاملات والعصبيات. حين يعلو صوت الصخب، ستجد نفسك رهينة مشاعرك البدائية المتمثلة في الغضب والهياج والحماسة، وستنجر حتماً لجماعتك التي تنتمي إليها بالفطرة (لا بالاختيار ولا بالعقل).
* * * * *
لم تعد ساحة «أجورا» ميداناً عاماً مفتوحاً على جدل المتخالفين، بل صارت ميداناً مفتوحاً على تناحر أصحاب العقائد من المسيحيين والوثنيين واليهود. لهذا كانت هيباتيا تجاهد أن تأمن بنفسها وتلاميذها عن الوقوع في هاوية التعصبات العقائدية، تلك التي لم ينجُ منها أحد. وفي درسها الذي يجمع المتناقضين والمتخالفين عقائدياً، لم تسمح بالاحتكام إلا إلى الاحترام الذي يجب أن يبقى أصلاً بين الأشقاء، كان درسها يرفض الصخب بقدر ما يحتفي بالاختلاف. الاختلاف يجعلك متساوياً مع الآخرين، لكن الصخب يعميك.
تسميهم الأشقاء؛ تلاميذها الذين يتحلقون في دائرة درسها[1]. تعلمهم أن الثابت بينهم هو تلك العلاقة الرياضية التي تتساوى بالجميع «إذا كان الأول يساوي الثاني، والثاني يساوي الثالث، فالنتيجة أن الأول يساوي الثالث». الجميع متساوٍ إذاً في دائرة درس هيباتيا، بمن فيهم هيباتيا نفسها. كانت هيباتيا تحلّق بطلابها خارج دائرة خلافاتهم العقائدية، تثير شهوتهم إلى الدوران (متساوين) حول الشمس بما يشبه الكواكب. في هذه القاعة فقط، سيبدو كل شيء مثالياً وهادئاً. ستصرّ هيباتيا على دافوس أن يعرض على تلاميذها مجسم طاليس الذي صنعه بيده من خلال فهمه لدروسها. لم يكن دافوس تلميذاً، بل عبدها الذي ينصت لدروسها عاشقاً ومتلهفاً.
خارج هذه القاعة، حيث ساحة «أجوراً» العامة، تأخذ الأمور منحى آخر. إنه المنحى النقيض تماماً. لا أحد يقبل أن يتساوى مع أحد. الجميع يريد أن يكون الأول الذي لا يساويه أحد. أنت تطلب المساواة مادمت ضعيفاً، لكنك ما إن تملك القوة، حتى تمسح الآخرين مسحاً لتساوي نفسك فقط.
* * * * *
ذنب هيباتيا أنها أتت في عصر بدأ فيه العقل الفلسفي يضمحل لصالح العقل الإيماني. ستصير الفلسفة كفراً وتهديداً للدين، وتصير هرطقة، بل مصدر للهرطقات كافة كما يقول طرابيشي في كتابه «مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام»، فـ «وراء كل هرطوقي فيلسوف».
في هذا العصر (منتصف القرن الرابع الميلادي)، كفّت المسيحية أن تكون ديانة مضطهدة لتغدو ديانة دولة[2]. ولكي نكون منصفين (كما حاول الفيلم أن يفعل)، فإن مثقفي العالم الوثني أيضاً لم يكونوا قد قابلوا المسيحية بغير الازدراء، بوصفها ديانة بربرية موجهة إلى أناس بلا ثقافة. وهو ما كانت هيباتيا تقاومه وترفضه وسط ثقافتها الوثنية، وهو ما جرّ عليها غضب بعض الكبراء لولا تدخل تلاميذها لحمايتها.
حين صارت المسيحية دين دولة، تحوّل أتباعها من أقلية مضطهدة إلى أكثرية سلطة. ولأن الاضطهاد حين يتحول إلى قوة، يمارس الآليات نفسها التي مورست ضده عندما كان ضعفاً، فقد راح المسيحيون يكررون آليات الاضطهاد نفسها على أهل الاعتقادات الدينية السابقة من وثنيين ويهود. يمارسون ما يسمونه تطهير الأرض من الوثنيين واليهود. من هنا جاء حرق مكتبة الإسكندرية وبما فيها من بحوث علمية ووثائق وخرائط. حُرقت كلها بدعوى انتمائها للتراث الوثني. صارت الفلسفة تعادل كلمة الكفر، كما أصبح نعت أحدهم بأنه يوناني يعادل وسمه بأنه وثني. وهكذا وصمت هيباتيا أنها وثنية كافرة عاهرة وساحرة.
وسط هذا العنف الديني، كانت هيباتيا تحاول أن تحافظ على هدوء دائرة درسها، لكن الصخب سرعان ما يجرف معه كل شيء. نجح الصخب أن يقتلع تلاميذها عن دائرتها، وأن يلقي بهم في هاوية أجورا. تتفرق بهم المصالح والاعتقادات والتطرفات. في الصخب أنت مائة ما لم تكن جزء منه. سيخنق الصخب نَفَس هيباتيا الأخير ليخنق معه عصر الحضارة الهيلينية ولتبدأ عصور الظلام. حتى لحظتها الأخيرة، ستحتفظ هيباتيا بهدوئها وإصرارها أن تكون ذاتها فقط. لن تذعن لاعتراف كاذب تجرّها نحوه سلطة الصخب. ولن تقدِّم اعتراف خائف ينجيها من الموت: «أنا فيلسوفة، أؤمن بالفلسفة» ستقول معرّفة بإيمانها. ستسلّم هيباتيا نَفَسها إلى قتل تحمل شرفه ويحمل التاريخ عاره. وسترمق حياد السماء، قبل أن يغيب نفسها الأخير، بنظرة أخيرة، تسألها عن قُبحٍ يؤتى على الأرض باسمها.
[1] انظر علي أحمد الديري: دائرة هيباتيا. الوقت 27 يناير/ كانون الثاني.
[2] جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام.

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12587

في أحلام البحرينيين

 اعلان

(1)

كان أفلاطون يحلم بالوصول إلى مدينة فاضلة.
وكان غاندي يحلم بتحرير الهند من هيمنة أعظم إمبراطورية استعمارية دون اللجوء إلى العنف.
وكان جيفارا يحلم ببناء جنة اشتراكية عالمية ترفع علم المساواة في العالم أجمع.
وكان فورد يحلم بصناعة سيارة تكون في متناول الجميع وغير مختصة بالطبقة الغنية.
وكان بيل غيتس (أحد مؤسسي شركة مايكروسوفت ورئيس مجلس إدارتها الحالي وكبير مصممي برمجياتها)، يردد لمعلميه أنه سيصبح مليونيرا عند بلوغه ثلاثين عاماً، لكنه أصبح مليارديراً عند بلوغه الواحد والثلاثين..
وكانت الحالة رقم (6) التي نشرت على صفحات «الوقت» من «حالات»، تحلم بشقة إسكان قبل أن يأخذ الله أمانته.[1]
وكانت الحالة رقم (13) المنشورة تحت العنوان نفسه، لا تملك ثلاجة ولا فرناً، وتحلم أن يكون لها غرفة نوم.[2]
نتيجة: حلم الفيلسوف خيال، وحلم التاجر واقع، وحلم الفقير حاجة.
(2)
الفلاسفة والثوار يتيحون لنا أن نحلم بعالم جديد. يعيش فيه كل الناس، لا فئة من الناس. المؤمنون المؤدلجون يحلمون بعالم تعيش فيه فئة من الناس، لا كل الناس. والتجار يحلمون بواقع يحقق فرديتهم الخاصة وثراءهم الخاص، ولا يهمهم أن يبقى الواقع على ما هو عليه، مادامت ذواتهم ليست على ما هي عليه. أليس التجار غالباً ما كانوا يعارضون الثورات ويتهمون أصحابها بالتخريب والفوضى؟ وأليس الثوار والفلاسفة من يتهمون التجار بالتحالف مع السلطة وتقديم مصالحهم الذاتية على مصالح واقعهم؟ الخلاف بينهم في حقيقته هو خلاف في طبيعة الحلم. التاجر حلمه فردي والثائر حلمه جماعي. لكن أين يقع حلم الفقير؟
(3)
نعرف الناس من أحلامهم أكثر مما نعرفهم من واقعهم أحياناً. فالحلم إرادة تشير إلى صاحبها، تجعلنا نفهم وجوده في الحياة، هدفه الذي يحمله، مساره كما يرسمه لنفسه، ما يمثل أولوياته أو ثانوياته في الحياة، ما سيكون عليه لو أن أموره سارت على النحو الذي يريده. أما الواقع فهو إرادة مختلطة بما هو ممكن وبما هو غير ممكن في ظل سياق خاص، وحين تختلط الإرادة بالسياق تصير مرهونة به. فما يعيشه البحرينيون لا يقول أحلامهم بقدر ما يقول واقعهم.
نتحدث هنا لا عن ذاك الفيلسوف، ولا عن الثائر، ولا المؤدلج، ولا التاجر، بل إنسان الشارع الذي يعيش اليوم باليوم، ويكدح من أجل يوم غير مدّخر. لا يتردد البحريني في أن يعلن حلمه: أحلم بامتلاك بيت. أحلم بالحصول على وظيفة ثابتة ومستقرة. أحلم بامتلاك قطعة أرض. أحلم بإكمال دراستي الجامعية. أحلم بسيارة جديدة.. الخ. تمثل هذه أهم الأحلام الفردية التي تشغل الإنسان البحريني والتي يتنهد بها في كل مناسبة. وهي وإن عبّر عنها بوصفها أحلاماً، إلا أنها ليست كذلك فعلاً، بل هي في حقيقتها حاجات.
الحاجة هي مطلب إنساني محدد، يشعر الإنسان معها أن وضعه (الحياتي واليومي المعاش) ناقص من دونها وغير مكتمل ومشوش وقلق. هو فاقد للشعور بالأمن النفسي حتى يتوافر على قدر مناسب منه. ولذا فهو في سعي دائم إلى إشباعها أو التوفر عليها، لن يرضى ولن يهدأ قبل أن يحظى، ولو نسبياً، بها. يبقى الفرد تحت ضغط الحاجة وتحت ضغط توترها. يخرج التوتر على شكل اضطراب نفسي أو اجتماعي أو ثقافي أو سياسي. تتضخم الحاجة تدريجياً وتنغص على الإنسان عيشه، خصوصاً في زمن يسير إلى التضخم في كل شيء. يصير الفرد في حالة مستمرة من التمرد والسخط على الجهات التي يعتقد أنها مسؤولة عن تضخيم هذه الاحتياجات بدلاً من تخفيفها.
ولكي يعيش البحريني توازناً طبيعياً مع وسطه، فهو بحاجة إلى تأمين هذه الاحتياجات الأساسية والاستقرار بها. أما قبل ذلك فهو فيما ينتج عن عدم توافرها من إرباك في نفسه، وفي مجتمعه.
(4)
لكن كيف يكون الحلم هو محض حاجة معيشية؟ أليس في ذلك تضييق لأفق الحلم؟
الحاجة متى صارت مطلباً صعب التحقق أو غير ممكن، صارت أقرب إلى الحلم. فالحلم صار حُلماً لصعوبة الوصول إليه. فشراء الأرض وبناء البيت مثلاً، متى ما صارت حاجة بعيدة التحقق أو شبه مستحيلة؛ فإنها ستتحول إلى حلم. الأمر ذاته بالنسبة إلى غيرها من الحاجات المتواضعة نوعاً، لكن الأساسية معيشة.
أن تتحول الحاجات الأساسية في مجتمع ما إلى أحلام، أو أن تتيسّر لدى فئة مجتمعية من دون أخرى، فإن ذلك يجعل من أبناء هذا المجتمع (ذوي الحاجة) مستنفرين مستفزين سريعي الانفجار قبالة أي ضغط داخلي. يصير مجتمعاً مهدداً بالعنف. هناك مقولة تنشط في السياق العام في مثل هذه الحالات: ليس لدينا ما نخسره. في حين تبقى المجتمعات التي تحمي حاجات أبنائها أكثر تماسكاً وأكثر استقراراً، وأقل ميلاً نحو العنف. فمن لديه ما يخسره لن يجازف بالخسارة، ولن يساق سريعاً فيما هو عنيف أو متمرد أو مستنفر.
وباختصار: قل لي ما حلمك، أقل لك ما حالك.
(5)
الحركة التي قامت بها مجموعة العاطلين الجامعيين المعتصمين عند مبنى وزارة التربية والتعليم قبل أكثر من شهر[3]، حين تركوا بالونات الغاز ترتفع بشهاداتهم الجامعية إلى أقصى مداها في السماء، وتنتشر على أقصى سعتها في عرض الفضاء؛ تقصد أن تعرِّف بالحال، وأن تزدري الحلم.
كان الحلم القديم يقول: شهادتك مفتاح حلمك. وكان يقول: من يمسك شهادته بيده اليمنى، سيمسك وظيفته اللائقة في اليد اليسرى. لكن للواقع مقولات أخرى. هذه المقولات تنتفخ في بالونات غازية تتعلق في السماء.
أن يودِّع خريجون جامعيون بحرينيون أحلامهم في بالونات غازية، يعني أن الحلم صار أقرب إلى الوهم. هم يطيرون الأحلام لا الشهادات. تلك التي انتظروها بجهد المثابرة وبخيبة الواقع. الشهادة لم تعد حلماً بل همٌّ. أنْ تحمل شهادة غير قادرة على تفعيل نفسها في واقعك، فذلك عبء يضاف إليك، لا يخفف عنك. كأنهم يعلنون: لم نعد في حاجة إلى شهادة تزيد فينا الهم، وتكسر فينا الحلم. هكذا تطير بعيداً وسريعاً، بالونات أحلام الجامعيين العاطلين، قبل أن تعود هزيلة، منهكة من لفح الشمس، مثقلة بهواء مُحبط وخامل.
وهكذا تبقى محصوراً في أفق يغلقك على حاجة يومك، كي لا تتحرر إلى أفق يفتحك على حلم العالم.

 

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12540

خرق الوهم

في القرن التاسع عشر، في قرية صغيرة نائية ومعزولة، تفصلها عن المدينة غابة وعرة كثيفة؛ تعيش جماعة بشرية متكاتفة ومتحابة اجتماعياً، لكن يتهددها الخوف والرعب. مخلوقات وحشية غريبة تسكن الغابة، تثيرها أية محاولة لاختراق القرية نحو الغابة أو المدينة. هذا التجاوز من شأنه أن يجر الوبال على القرية الصغيرة وعلى أهلها المسالمين.
ثمة اتفاق قلق، لكن غير مكتوب، بين أهل القرية وبين هذه المخلوقات: سيكون أهل القرية في سلام ما لم يتجاوز أحدهم حد القرية، وما لم يُعبث بأي شيء لونه أحمر، مثل ثمار التوت الواقعة أشجاره في أطراف القرية عند طريق الغابة. هكذا كان يعيش أهل القرية اعتقادهم بمخلوقات يخافون حتى تسميتها، يعرَّفونها فيها بينهم بـ «أولئك الذين لا نسمّيهم». الاسم مسٌّ برتبة تعريف، وحين يرتبط المسّ بالخوف، فإننا لا نسمّي، بل نكنّي.
ولأن الاعتقاد (أي اعتقاد) ترسِّخه المشاهدة وتُثبِّته، فإن بضع مشاهدات غريبة، لم يستطع أهل القرية تفسيرها، تتضمن بعضها جثثاً لحيوانات ممزقة ومقطعة، رسَّخت ذلك المعتقد، وصيّرته حقيقة لا يداخلها الشك. فحين تعتقد بشيء ما، فإن كل ما يحدث حولك سيحيلك إليه مباشرة، وكل مفارقة لن يداخلك تفسيرها أو تأويلها، إلا بما يؤكد معتقدك أكثر. فالحوادث غالباً ما تفسّرها المعتقدات لا الحقائق.
الفيلم الأميركي الرائع «القرية» (The Village)، للمخرج الهندي الأصل شايمان (إنتاج 2005)، يدخلنا مباشرة على هذا. يرينا كيف يعيش الإنسان برمجة الاعتقاد. كيف يحكم هذا الاعتقاد عقله وحاسته ورؤيته وسلوكه. وكيف يصير أسير خطوطه الحُمر التي يجب عليه ألا يتجاوزها أبداً.
يسكِّن أهل القرية مخاوف بعضهم بعضاً «نحن لم نخرق حدود الغابة، التي يقطن بها الذين لا نسميهم، نحن في هدنة، لذا لا داعي للخوف». لكن ثمة ما يستجد ليستدعي الرعب، سيخترق جيلٌ شاب الاتفاق الحرج بين أهل القرية و«أولئك الذين لا نسمّيهم». الشباب أقل انصياعاً لبرمجيات الثقافة، وأكثر اختراقاً لقوانينها. كلما تقدم العمر بمعتقدك في داخلك، من دون أن مشاغبة أو خرق، صار أكثر رسوخاً وأكثر تثبتاً، وصار عصيانه أو الخروج عليه أو حتى مساءلته، أمراً تستحيله من داخلك قبل أن يستحيله خارجك. كلما تقدم العمر بالإنسان، قلّت جرأته على اختراق برمجيات الجماعة فيه. المعتقد يربو مع الزمن ويتصلّد بالقدم، يكبر معك بقدر ما تكبر. ولهذا يعد الخرق فعلاً شبابياً بامتياز، والترسيخ فعلاً أبوياً بامتياز. أن تخرق معتقدك، يعني أن ترفض له أن يكون معتقلك. المعتقد عقد بين الإنسان والعالم. ومعتقدنا، ما لم يكن فتحاً لقريتنا الضيقة على مدينة العالم، فهو ليس سوى عقد موحش كئيب وخانق، وسوف لن نميّز

من وجه العالم، غير «أولئك الذين لا نسميهم».


سيأتي الاختراق الأول إذاً، على يد الفتى الأخرق «نوح». سيجمع من دون علم أحد حبّات من التوت الأحمر، يخفيها في يده، ثم يجلبها معه وسط القرية. فيكون الخَرَق (الجنون) هو أول الاختراق. العقل يحكم الأشياء أن تخرج عن الحدود التي «نسميها»، أما الجنون فهو جرأة لا تعترف بالحدود التي نضعها لأنفسنا، ولا بأسمائها.
سيقوم بالخرق الثاني «لوتشيوس»، الفتى الشجاع والنبيل. فالقرية ينقصها الدواء الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالخروج إلى المدينة. سيقتحم «لوتشيوس» الغابات ليختبر ردود فعل «أولئك الذين لا نسميهم»، لكن القرية ستقف بذعرها ضد محاولته تلك «لقد أرعبتنا لدرجة لم يقم بها أحد من قبلك لوتشيوس»، يقول له أحد أعيان القرية الكبار. تفشل كثير من محاولات الاختراق قبل أن تنجح واحدة، لكن تبقى كل محاولة كوّة ضوء، تمهّد لخرق أكبر يليها.

هذا الأكبر، ستقوم به الفتاة العمياء «إيفي». فقدت بصرها طفلة لأن أحداً لم يجرؤ أن يجلب لها الدواء. تقرر الآن المغامرة حتى الموت لإنقاذ حياة من تُحب (لوتشيوس) الذي صار في يد المرض. فالحب كافٍ ليحوّل رعبها من «الذين لا نسميهم» إلى مواجهة معهم. ستخرج من دون أن يتمكن من إيقافها أحد. وستمر عبر درب غابات وعر مليء بالأشواك والأحراش والمطبات والحفر الطينية والمخاطر والأجواء المرعبة، وسنعيش معها الرعب في مشاهد استثنائية طويلة ومهلكة، لكنها أخيراً ستصل طرف المدينة، وهناك، ستلتقي سريعاً أناساً طيبين يساعدونها، وستكتشف أن المدينة ليست شراً مطلقاً كما نُقل لها طوال حياتها، وستعود بالدواء، وسيزاح الستار عن السر الكبير الذي يُغرق القرية. وستكون المفارقة أن القرية (التي تعيش ظلام خوفها)، ستُبْصِر على يد إيفي العمياء (التي تعيش بصيرة حُبّها).
سنكتشف مع نهاية الفيلم أن «أولئك الذين لا نسمّيهم» مجرد وهم كبير، وأن أعيان القرية الكبار هم صانعو هذا الوهم الكبير. الأعيان (بعضهم بالمناسبة آباء لأولئك الفتية)، هم مجموعة من الأكاديميين المثقفين، قرروا اعتزال العالم الذي يرونه عاجاً بالبشاعة والشر والقتل والدموية واللاعدالة، اختاروا القدوم لهذه القرية الصغيرة النائية. ولكي يحافظوا على براءة الداخل من تلوث الخارج، ابتكروا حكايتهم التي عاشها يقين أهل القرية، والتي صارت دفناً لحياتهم داخل الوهم.

 

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12493

في الثورة والدولة

 

(1)
«هل المطلوب أن تكون الدولة ”الأم تريزا” مثلاً؟ لم أفهم القصد ولا الوسيلة التي كان يمكن أن يتبعها آية الله منتظري في إدارة الجمهورية فيما لو قُدِّر له خلافة الإمام الخميني، والذي أعتقد حينها سينتقد أسلوبه فكر الكاتبة الخلاّق بذات القدر من الحماسة البيزنطية في الدفاع عنه».
التعليق السابق تركه أحد القراء على مقالي الأخير «رسوب منتظري»، وأياً يكن ما يرميه، فأعتقد أنه قد وضع يده على شقّ ذي أهمية كبيرة، أعني الشق الذي يفرّق بين الثورة والدولة. بين ما تمثله الثورة من حُلُم، وما تمثله الدولة من لَحَم «واقع». بين مثالية «ما قبل» الدولة، وواقعية «ما بعد» الثورة. ولعل هذا الشق بعينه هو ما يمثّل جوهر الاختلاف بين منتظري ونظام الحكم في إيران. منتظري الذي بقي عند مثالية حلم الثورة، ونظام الحكم الذي تجاوز المثالية، نحو واقعية الدولة.
الدولة «أي دولة» فعلاً ليست «الأم تريزا». فالأم تريزا تمثل الحالة المثالية للثورة. الثورة التي تؤمن بالفرد وبأهمية الفرد وبحق الفرد. تقول تريزا «أشعر أني مدعوة لخدمة كل إنسان ومحبته بطريقةٍ خاصةٍ به حسب حاجاته. وإنّني لا أفكّر قطعاً أن تكون محبتي شاملةً للجميع كأنّها دون تحديد، بل تهدف لمحبة كل إنسان بمفرده. فإذا فكرتُ بالناس جميعاً كجماعات وحسب، فهذا ليس حباً كما يريده المسيح. إنّ الفرد هو المعني بالحب الحقيقي». الدولة لا تشعر أنها مدعوة لخدمة كل إنسان ومحبته بطريقة خاصة به حسب حاجاته. بل ترى أن الفرد هو المدعو لخدمتها والانصياع لها وتقديم الولاء المطلق لحكمها أياً كان. وإلا صار مصيره خارج عنايتها، وداخل تهميشها وإقصائها.
الدولة فعلاً ليست «الأم تريزا». فأكثر ما يؤلم الأم تريزا هو حين يمر أحدهم بمريض أو طفل أو فقير من دون أن ينظر إليه. تقول تريزا: «إنّهم لا يعرفون معنى الشفقة ولا يأبهون لهؤلاء التعساء. ولو فهموا قيمة هذا الإنسان المتألم لكانوا تصرفوا بوعي وعرفوا أن الله يسكن فيه، وحينئذٍ يبدؤون بمساعدته وبخدمته كما خدمهم المسيح نفسه». ليس الإنسان، بل الدولة التي لا تعرف معنى الشفقة. لا تكترث الدولة بالتعساء القابعين فيها. تمر عليهم من دون أن تلتفت نحوهم، ومن دون أن تنظر إليهم، ومن دون حتى أن تأخذ بخاطرهم، كأضعف الإيمان.
الدولة فعلاً ليست «الأم تريزا». فالأم تريزا فرّغت نفسها لخدمة الإنسان من دون تمييز بين عرق أو لون أو دين. تريزا لم تعرف العنف يوماً ولم تتعاطاه. بينما الدولة لا يمكنها أن تكون كذلك أبداً. الدولة «وحش من جليد» كما يصفها نيتشة. وحش: لأنها عنيفة. وجليد: لأنها قاسية. لم تقم دولة في التاريخ إلا وفي البدء كان العنف. الدولة لا مفر لها من أن تكون عنفاً. لكن ثمة فرق أن تحتكر الدولة العنف، وبين أن تمارسه. قد تحتكر الدولة العنف بمعنى أنها تمنع العنف عن أن يصدر من أحد ضد أحد آخر. أي من أجل أن تضبط السلم. لكن حين تكون هي من يمارس العنف، ليمنع كل أحد من الاختلاف معها، فذلك شأن آخر. هنا تصير الدولة «وحش من فولاذ». فإذا كان الجليد قابل للذوبان والانصهار تحت حرارة شمس الناس، فإن الفولاذ يبقى دائماً ضربة قاضية فوق رؤوس الناس.
الأم تريزا تمثل الحالة المثالية للثورة. الحالة التي ترفض استبداد الدولة وتسلطها وعنفها وعدم اكتراثها بالتعساء والبؤساء وبحقهم في أن يكونوا أفراداً محترمة آراؤهم وحقوقهم داخل دولهم.
لهذا لم يكن منتظري «بالفعل» مناسباً للحكم بهذا المعنى، ربما لأنه بقي عند الحالة الثورية الأولى، ولم يتمكن من الانتقال إلى مرحلة الدولة التي كانت تستلزم طبيعة أخرى مختلفة تماماً، وهو ما عبر عنه بنفسه بوضوح، وكذلك الإمام الخميني في الرسائل المتبادلة المنشورة بينهما.
(2)
تولد الثورة كحركة إصلاح وتجديد. توصف بأنها «جلال الإنسان ضد حقارة العظيم». لا تقوم الثورة، حتى يكون «القوي قد فعل ما بوسعه، والضعيف قد قاسى ما يجب عليه أن يقاسيه»، أي حتى يبلغ كل من الطرفين مداهما الأقصى، فلا يعود الضعيف قادراً أن يقاسي أكثر، ولا يعود القوي قد فوّت شيئاً مما في وسعه إلا وارتكبه. لهذا حين تقوم الثورة يكون عنوانها التحرر من ربقة الاستبداد. تنفجر الثورة محمّلة بوعود الخلاص الأبدي: الفكاك من تسلّط «العظيم» الجاثم فوق صدور الناس وعقولهم وأرواحهم. تعويض ما هُدر من حقوق الإنسان وما ضاع من حقوق المدينة، القضاء على التهميش والإقصاء والاستبعاد والاستعباد، بسط العدالة الاجتماعية والمساواة، فك القيود المفروضة على الشعب والإنسان، حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية الممارسة، حفظ حقوق الأقليات والضعفاء. بهذه الوعود تنطلق الثورة. ويلتف حولها الشعب يسلمها تأييده ونفسه وأعز ما يملك. تعلن الثورة حلمها الخلاصي المنشود. تستلهم مسيرتها مستنيرة ببطل خلاصي يقودها أو يُشعلها. يؤمن الأتباع أن نهاية الظلم والاستبداد مآله على يد أبطالها، وأنه بعد انتصار الثورة سينعمون بالحرية والاستقلال والخلاص، أن لا عودة للوراء، أن موعدهم صبح الانتصار.
لكن ما إن تنتصر الثورة، حتى يتحول الحلم إلى حقيقة أخرى. سريعاً ما ستعمل الثورة «التي صارت دولة»، على إخماد الأصوات المناوئة لها. فكل صوت مناوئ أو مخالف يمثل تهديداً لاستقرارها. سيعمل هذا الصوت على استمالة مجموعة أخرى من الأصوات التي ستستميل بدورها أصواتاً أخرى. سريعاً ما ستعمل الدولة «التي كانت ثورة»، على تهميش هذه الأصوات المشاغبة وعزلها وإقصائها أو سجنها ومحاكمتها. ستمارس ذلك على المختلفين معها بالقدر ذاته الذي كان يمارس ضد شخوصها وأفرادها قبل قيامها. وكلما كانت الأصوات قوية أكثر ومُقنِعة أكثر، صارت مصدر تهديد للسلطة أكثر، ما يعني مزيداً من التقييد لها. وعلى غرار النظام السابق، قد تلجأ الدولة «التي كانت ثورة»، باتهام هذه التحركات بأنها خيانة ومؤامرة وعمالة إلى الخارج، وهي التهمة التي لم ينج منها أي معارض أو مناوئ يرزح تحت وطأة أي حكم مستبد في العالم.
هكذا ستجد الدولة نفسها تعيد آليات الحكم القديم الذي حاربته عندما كانت ثورة. يقول سيوران: «الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد، بل عليها أن تقلّد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهداً من أجل ذلك (وهي لا تستطيع أن تفعل غير ذلك) زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها». تنسى الدولة «التي كانت ثورة» أهداف الثورة سريعاً: التحرر من ربقة الاستبداد. تصير مهمتها الحفاظ على سيادة «السلطة»، لا على مكتسبات الثورة. الثورة التي يمثل الشعب أهم عنصر فيها. لكنه بعد انتصار الثورة يصير آخر همّها. وبعد أن كانت الثورة تقوم عليه وتعتمد عليه في نجاحاتها وانتصاراتها، تروح الثورة بعد أن تصل إلى سدّة الحكم «تفترس أبناءها»، بدلاً من أن تحقق لهم وعوداتها بالحرية والعدالة والحياة الكريمة.
سوسيولوجيا الثورات تخبرنا أن هذا هو حال الثورات عموماً. لا فرق بين ثورة وأخرى إلا في التفاصيل. ما شهده العالم أعقاب الثورة الفرنسية العام 1789 من سعار دموي رهيب، راحت ضحيته أرواح مئات الآلاف من الأبرياء تحت شعار الثورة، هو واحد من الشواهد الكثيرة على ذلك. الثورة «بعد نجاحها» تكف عن أن تكون ثورة بمفهومها الإصلاحي والتحرري، وتتحول إلى وحش فولاذي ضخم يصطدم بكل من يعارضها أو يختلف معها بغير ما تشتهي سلطتها.
هكذا يبدو وكأنه «ما من حالة ثورية حقاً إلا حالة ما قبل الثورة» كما يقول سيوران، وهكذا تمثّل الأم تريزا نموذج الحالة الثورية حقاً، أي حالة ما قبل الثورة. الحالة التي تقدم اللحم لكل الناس وتبحث عما يمس كل الناس وعما يحتاجه كل الناس، بينما تنهش الثورة «حين تصير دولة» لحم الناس الذين أوصلوها للسُدّة. يُغفر للدولة أن تكون وحشاً من جليد لحفظ النظام ولحفظ أمن الناس، لكن لا يبرر لها الضرب بيد من فولاذ على من يعارض سلطتها أو يختلف مع سياستها.

 

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12402

رسوب منتظري

(1)
كان قرار عزل آية الله منتظري عن خلافة الإمام الخميني في ولاية الجمهورية الإسلامية في إيران، مفاجئاً للجميع، ولنا نحن الجيل الناشئ، ممن تفتح وعيه الديني والسياسي متأثراً بالثورة الإسلامية في إيران، ومتشكلاً بمدّها وتداعياتها في المنطقة. جاء قرار العزل قبل ثلاثة أشهر من وفاة الإمام الخميني في يونيو/حزيران .1989 لم يكن اسم منتظري بالنسبة لنا يشبه أي اسم آخر من أسماء رجالات الثورة. عُرف أنه الرجل الثاني في إيران الثورة، وأنه ”إذا كان الخميني يقود الثورة الإيرانية من الخارج، فمنتظري كان أبرز أولئك الذي قادوها من الداخل”. لعلّه لم يُذع حينها عبر إذاعة طهران (التي كانت أبرز قناة لإيصال صوت الثورة)، تفسيراً مفصلاً يجيب على التساؤلات الكثيرة التي أثارها العزل المفاجئ آنذاك، على الأقل هذا ما أذكره الآن، ولم تكن وسائل الإعلام بمثل تنوعها الآن، بما يمكِّنك أن تصل إلى الأصوات المختلفة ودفاعاتها. عن نفسي، لم أعرف حينها، أكثر من أن منتظري (عُزل) أو (قدّم استقالته) لاختلاف بينه وبين الخميني حول موضوع ولاية الفقيه. الإجابة ضيقة ومبتسرة نعم، لكنها بالنسبة لفتاة متحمّسة، أحادية التفكير، متعصبة لشخص الإمام الخميني، يهمها بالدرجة الأولى تحديد مواقفها وإصدار أحكامها على الأشياء لا فهمها؛ فقد كانت تلك الإجابة كافية لإصداري حكماً مطلقاً على منتظري، وعزله في دماغي الصغير داخل خانة (ساقط). نعم هكذا. السقوط خروج عن الصراط المستقيم نحو صراط أعوج. والعزل يعني أن لا أقرأ له، لا أسمع له، لا أتأثر بآرائه.
ليس أكثر راحة من أن تتحصل كلمة تختزل شخصاً (أو جماعة أو معنى). تختم بها عقلك داخل حكمك. فلا يعود عقلك يزعجك بعدها بأسئلته المضطربة. فالسؤال حيرة ومشقة. وكلما قل وضوح الأمور أو جرى تمويهها، أوقعك السؤال في عجز أن تصل إلى حكم يقيني حاسم، فيبقيك أسير بلبلته. مثل هذه الحيرة، لا تتفق مع طبيعة عقلٍ يقينيٍ حاد، مشدود نحو إصدار الأحكام وإطلاقها. ولأن عقلي الناشئ حينها، لم يكن مهيأً لهكذا حيرة مركبة، فقد أسقط منتظري سريعاً، وقام بعزله، وأراح حيرته وأسكت سؤالاته.
(2)
استعادت ذاكرتي شيئا من ذلك التاريخ، وأنا أطالع الصحف التي تناولت شيئاً من سيرة منتظري بعد وفاته في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول الجاري. توقفت كثيراً أمام عنوان لافت يقول على لسان آية الله السيد علي خامنئي: منتظري رسب في الامتحان. ينقل الخبر عن خامنئي في برقية أرسلها معزياً بوفاة منتظري، إن ”الله امتحن منتظري في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الراحل، امتحاناً صعباً وخطراً، فنسأل الله سبحانه أن يشمله بمغفرته ورحمته ويجعل من المشاكل الدنيوية كفارة لتلك المرحلة”، في إشارة من خامنئي إلى أن منتظري رسب في ذلك الامتحان. وكأن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر استحضاره الضمني، لكن الصريح بـ(رسوب) منتظري في برقية التعزية، كان يستهدف الجماهير الإيرانية المؤيدة لأفكار منتظري، والمتعاطفة مع ما لقيه من عزل وإقامة جبرية وتهميش وإقصاء طوال 23 عاماً بعد وفاة الخميني. فكأن خامنئي يُعلم الجماهير، أن كل هذه العقوبات ليست سوى كفارة دنيوية لمنتظري عن ذلك الرسوب، وأن من يؤيد أفكار منتظري، فكأنه يؤيد رسوبه في الامتحان الإلهي الصعب.
بهذا الاقتضاب الموجز في صور ثلاث: الامتحان الصعب، الرسوب، الكفارة، تُختزل حياة منتظري كلها. توحي لنا أن كل نضالاته المعروفة وجهاداته وما عاناه في السجون والتعذيب وكل تجربته السياسية ومكانته العلمية والفقهية وأفكاره ورؤاه وشخصه، كل ذلك لا معنى له أمام الرسوب الذي ختم عليه. هذه الصورة المختزلة لمنتظري ستعمل تلقائياً على عزله في أذهاننا ووضعه في خانة الساقط. وهكذا ترتاح الأذهان (اليقينية والخائفة من الرسوب) من السؤالات المزعجة والمربكة التي قد تريها وجهاً آخر لا ترغب يقيناتها في رؤيته. تماماً كما فعل عقلي الصغير الأحادي، وغير المهيأ للتركيب والتعقيد منذ سنوات. هذه الصور التي ثبّتها المرشد الأعلى للثورة حول منتظري، ستحيل بين الكثيرين وبين محاولة الاقتراب من فكر منتظري أو معرفته وفهمه (ليس بالضرورة تبنيه أو تأييده). بل ستحيل حتى دون إصدار بيان تعزية أو إقامة مجلس تأبين على روحه كما تجري عليه العادة (في البحرين مثلاً)، بعد وفاة أحد المراجع أو رجال الدين.
(3)
الحكم برسوب منتظري، لم يأت إثر خيانة منه للثورة أو لرجالاتها، ولا إثر تعاون مع أعداء خارجيين، فهذا غير وارد أمام شخصية معروف إخلاصها مثل منتظري، لقد دعم منتظري مشروع الثورة من البداية، في حين شكك بعض رجال الحوزة في أهميتها ومستقبلها منذ أن كانت فكرة. ليس «الرسوب» إذن سببه نكوص عن الثورة أو خذلان لها، لكنه ناتج عما وصفه منتظري في مذكراته بـ«اختلاف الآراء بيني وبين الخميني»، وكان أحد وجوه هذا الاختلاف التعاطي مع المعارضين السياسيين من أعضاء ومؤيدي منظمة مجاهدي خلق والمنظمات اليسارية الإيرانية. رسب منتظري لأنه اختلف ولأنه أعلن اختلافه. ففي مجتمعاتنا الاختلاف عن صراط الجماعة اعوجاج وزوغان وانحراف عن الصراط المستقيم. الاختلاف رسوب يجب أن تدفع كفارته طوال حياتك.
رسب منتظري لأنه أعلن احتجاجه على الإعدامات التي بلغ عددها نحو 3400 على يد السلطات الإيرانية في .1988 ولأنه بقى حتى قبل وفاته يعلن رفضه لقمع الحريات السياسية والإعلامية بكل أشكالها: ”أليس من العار أن بعض الأشخاص سيذهبون إلى الجحيم، بسبب آراء آخرين؟”.
رسب منتظري لأنه رفض إضافة كلمة «مطلقة» إلى كلمة «ولاية الفقيه» الواردة في الدستور الإيراني، والتي تم إضافتها بعد رحيل الإمام الخميني. رسب لأنه اعتقد بولايةٍ يشرف فيها الفقيه على الدولة بموافقة الجماهير، وأن تترك الساحة السياسية لخبراء السياسة بدلاً من رجالٍ الذين يراهم أصحاب رؤية أحادية، بسبب طبيعة التفكير الديني.
رسب منتظري لأنه يرى أن الفقه لا يخص حقوق ”المؤمن” فقط بل حقوق ”الإنسان” أياً كان دينه أو معتقده، لأنه يعترف بحقوق الأقليات الدينية وخاصة البهائيين والقوميات غير الفارسية. ولأنه أعلن أن «ما أقصده هو أن كل البشر، سواء كانوا من المؤمنين أم لا، وسواء كانوا مسلمين أم لا، يجب أن يحظوا بالاحترام».
رسب منتظري لأنه أراد أن ينجح كل الناس، لا بعض الناس. وهكذا أنت ترسب أيضا، ترسب حين يكون همّك أكبر من جماعتك وأكبر من طائفتك وأكبر من أهل ملتك أو جنسك أو عرقك، ترسب حين يكون همّك الإنسان.

 

لمشاهدة المقال والتعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12353

كلمة وطني

 

«السر لفهم مدينة ما وشعبها هو تعلم كلمة الشارع؟ إن لكل مدينة كلمة واحدة تعرِّفها، وتعِّرف معظم الناس الذين يعيشون فيها. وإن تمكنتِ من قراءة أفكار الناس وهم يمرون بقربك في الشارع في أي مكان من الأمكنة، فستكتشفين بأن معظمهم تشغلهم الفكرة نفسها، مهما كانت فكرة هؤلاء الأغلبية، تلك هي كلمة المدينة».
توقفت كثيراً وأنا أقرأ هذه العبارة تسردها الروائية الأميركية إليزابيث جليبرت في كتابها الرائع «طعام.. صلاة.. حب.. امرأة تبحث عن كل شيء». الكتاب يمثل تجربة الكاتبة في رحلة بحثها عن ذاتها خلال عام كامل قضته بالتساوي بين إيطاليا والهند وإندونيسيا «ربما تسنّى لي التوقف عند الكتاب ذات مقال قادم» العبارة قالها صديق إيطالي في معرض رده على علاقة إليزابيث بالعاصمة روما. تعتقد إليزابيث بأنها أحبت روما كثيراً، لكنها لا تشعر بالانتماء إليها. كان الصديق يرى أنه إذا لم تكن «كلمة» المدينة تتلاءم مع الكلمة الشخصية لأحد ما، فإنه لا يمكن أن يشعر بالانتماء إلى هذه المدينة. يواصل توضيح فكرته لإليزابيث، أن كلمة روما هي «جنس»، فالناس في روما يحركهم الجنس ويشغل همهم وتفكيرهم أكثر من أي شيء آخر، ثم يسألها عن كلمة مدينتها التي أتت منها «نيويورك»، وبعد تفكير تقول إليزابيث: أعتقد أنها كلمة إنجاز.

كلمة الشارع ليست وصفاً. فهي لا تصف المدينة بقدر ما تعبّر عما يتحرك بالناس فيها وما يوجه سلوكهم وحركتهم. المدينة التي كلمتها «جنس» سيكون الجنس محوراً لتفكير الناس وانشغالهم وهدفهم، وسيظهر ذلك على سلوكهم ولباسهم وممارساتهم وطبيعة حياتهم وأحاديثهم وحتى أسواقهم وبضائعهم وطبيعة قضاء أوقاتهم وأماكن لهوهم ومرحهم. والمدينة التي كلمتها إنجاز، سيكون الإنجاز هو القلق الذي يتحرك بأناسها، وسيظهر ذلك على حماسهم الشخصي وإحساسهم بقيمة الوقت والعمل، وسنلمس ذلك من طبيعة الموضوعات التي عادة ما تستفز جدل الشارع واهتمامه.
ما كلمة مدينتي إذاً؟ وما كلمة وطني؟

أحداث الشارع ويومياته، وأحاديث الناس في الصحافة والإعلام والنشرات المطبوعة والمواقع الإلكترونية والمنتديات والملتقيات والمجموعات الحوارية والمدونات الشخصية وفي الفيس بوك وفي المجالس والندوات والتجمعات والمساجد والمآتم وأحاديث الشارع، كل هذه تضعنا مباشرة أمام ما يشغل الناس وتفكيرهم، أمام كلمة الشارع، أمام كلمة المدينة.

سياسة؟ هل السياسة هي كلمة وطني؟ السياسة هي الظاهرة الصوتية الأعلى والأبرز في وطني. حين تنطق السياسة فالكل متحفز وهائج وعلى أهبة الاصطفاف. أمام السياسة تبدو الأصوات الأخرى هامشية وغير ذات جدوى ولا قيمة لها، تصير مترفة ومرفهة ومنصرفة عن همّ الوطن والمواطن. وأنت تكون وطنياً بقدر ما ينخرط صوتك في أحاديث السياسة ولو على نحو تحصيل التحصيل من الحاصل. الناس في وطني تمضغ السياسة أكثر مما تمضغ خبزها الحافي. الأطفال والصبية المراهقون كما الكبار مأخوذون بصوتها الجهوري الأجش وكلهم فيها صوت. هي إذاً كلمة وطني. لكن ألا تبدو كأنها عامة وفضفاضة؟ فالهمّ السياسي يشغل أكثر دول العالم. تختلف المدن وتتشابه كلماتها. لكن ما الخاص في كلمة وطني؟ ما المختلف الذي يشغل شارعنا بشكل أخص؟ هل هو مستوى الدخل؟ مستوى المعيشة؟ الحاجات المعيشية؟ العدالة الاجتماعية؟ توزيع الثروة؟ الأغنياء والفقراء؟ التجنيس؟ التمييز؟ السكن؟ المعارضة؟ الموالاة؟ البرلمان الدستوري؟ الحقوق المواطنية؟ لست أعرف. كلها كلمات ليست كالكلمات. أراها حاضرة بقوة في شوارع وطني وفي دواعيسه وفي زرانيقه غير المرصوفة وغير الأنيقة. لكن لا أعرف أياً منها هي كلمة وطني؟ ربما هي أخرى، فكلمة بحجم وطن لا يمكن أن تأتي بهذه السهولة ولا يمكن أن نضعها في قالب منحاز أو ضيق بهذه البساطة.

هل تعتقدون أن كلمة وطني هي «تديّن»؟ فالتديّن من أقوى الأصوات التي يتمثلها حسّ الشارع وتتحرّك به. لكن التدين في شوارعنا غلبت عليه السياسة، حتى أُحيل إلى مورد لتعزيز وجود جماعة أو فئة على حساب وجود جماعة أخرى أو فئة أخرى. كذلك صار الدين مورداً لتعزيز موقف فئة اجتماعية معينة في صراعها ضد البؤس أو الفقر أو البطالة أو التهميش كما يشير برهان غليون. فالدين السياسة: هكذا تقول شوارعنا. هل عدنا لكلمة السياسة مرة أخرى؟ مازلت لا أعرف.

ما هو مؤكد بالنسبة إليّ، أن كلمة وطني ليست «ترفيه»، ليست «رفاهية»، ليست «متعة»، ليست «مرح»، فشارعنا غارق في همومه ويومياته واحتياجاته المعيشية بقدر يجعله يسخر من أن يتمنى على نفسه متعة أو ترفيه. أما الرفاهية فبينها وبين شوارعنا بون. من المؤكد أيضاً أن كلمة وطني ليست «ثقافة»، ليست «فن»، ليست «فكر»، فيكفي أنه قد سبق لبعض شوارعنا أن أطلقت على الثقافة اسم «سخافة». ومن المؤكد أيضاً وأيضاً أن كلمة وطني ليست «تعايش»، ليست «تعدد»، ليست «تنوع»، ليست «تسامح»، فالاختلافات السياسية والفكرية والعقائدية، كما يبرع الإعلام «عبر أدواته المختلفة الرسمية وغير الرسمية» في تصويرها وإظهارها، هي على الهياج المناقض تماماً لذلك. ومن المؤكد كذلك أن كلمة وطني ليست «إنجاز»، ليست «ابتكار»، ليست «إنتاج»، ليست «اكتشاف»، ليست «اختراع»، فالاستهلاك «غير المنتج» في وطني فائض عن اللزوم في كل شيء وفي كل شبر. ما هي إذاً كلمة وطني؟ مازلت لا أعرف. ربما أنتم تعرفون.

لمشاهدة المقال وقراءة التعليقات  http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12263

أي الأصوات أنت؟

 

أنت بين نوعين من الأصوات، لا يكفان يعترضانك في كل مكان وفي كل مقال ومقام. صوت مسكون بالحب والاحتواء، وصوت معجون بالبغض والاحتقار. صوت يتلمّس الجمالات، يتحسسها باستشعار ودود، وآخر يختلق البشاعات، يطلقها بزخم محموم. صوت يستودع قلبك همس الحكمة، وآخر يستل أطرافك نحو ضجيج غير حكيم.

الصوت ليس هو ذلك المكون الفيزيائي فقط، بل هو أشبه بروح تخترقنا، قد يأتي في هيئة كتابٍ أو مقالٍ أو خبرٍ أو روايةٍ أو لوحةٍ أو فيلمٍ أو مسرحيةٍ أو مشهدٍ أو حدثٍ أو حديثٍ. كل هذه الأجناس تخترقنا وتعمل فينا بشكل أو بآخر. الصوت هو الوسيلة الأولى التي استخدمها الإنسان لإيصال رسائله. فنحن مجموع الأصوات التي تخترقنا وتعمل فينا.

الأصوات المحمّلة بالحكمة، تغسل أرواحنا المثقلة بالتعب، تبيض قلوبنا المنكوتة بالسواد، تهذب أصواتنا المنزلقة نحو الابتذال، تنقِّح عباراتنا الممجوجة والمستهلكة والفارغة من المعنى. أما تلك المحمّلة بالاحتقار، فتغشى ظلاماتنا النائمة، توقظها، تهيئ لها لتتفرعن، تدجج ظلامها، تبصرها طريقها إلى الخروج الفج، تمنحها العذر لكي تتضّع أكثر، وتترهل أكثر، ويتمادى منها الانحدار والحمق أكثر.

النماذج (المحلية) التي تتحرك (بأصواتها) في ذهني الآن كثيرة، إلا أني لا أرغب في وضعها هنا، وذلك لما يمكن أن تثيره من حساسيات قد تحرف فهم صوتي جهة الأشخاص «المع أو الضد»، على حساب مفهومي الذي أرغب التوسع فيه. لذلك سأكتفي بمثالين هما لكاتب واحد، نرى من خلالهما أن الصوتين قد يعملان في شخص واحد، وأنه قد يقع الإنسان بين صوت ونقيضه على نحو مؤسف في بعض الأحيان.

لا يمكنك أن تصدق مثلاً أن (صوت) الكاتب المصري يوسف زيدان الذي كتب به روايته الرائعة ”عزازيل”، هو ذاته (الصوت) الذي تحرك بقلمه وهو يكتب مقالته ”ذكريات جزائرية” المنشورة في جريدة (المصري اليوم) نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي [1]. الصوت الذي كان يتشح بالحكمة والتأمل والتفهم العميق للكون والإنسان في ”عزازيل”، لن تشم رائحته في ذكريات زيدان الجزائرية. لن تشم غير رائحة الشخصنة والشتم والاستفزاز والاحتقار والاستهجان والتعالي والأحكام المطلقة التي يطلقها على كل ما ارتبط باسم (الجزائر) من بعيد أو قريب. لست في صدد التعرض لهذه المقالة وأسبابها التي فجرتها مباراة كرة قدم. لكني أقدمها لقراءة نموذج لصوت محّمل بالحكمة مقابل صوت محمّل بالاسحتقار.

ينشغل الصوت الأول بتوسيع فهمك وإدراكك، يعدد زواياك التي ترى منها إلى العالم والإنسان، يفتح مغاليق فكرك وقلبك، يوقظ فيك الحب، يؤخر أحكامك، أو يسقط أكثرها، يبسطها أمامك ليتسع الكون ولتتسع أنت، يريك أن الكون بدون أحكامك المطلقة أجمل، وأنك (أنت) بلا معولها القابض أطهر وأنقى. أما الصوت الثاني، فيتمادى في تحديدك، يحركك في زوايا ضيقة من التفكير، وفي مساحات طفيحة من الفهم والإدراك، يجعل زواياك حادة وقاسية، يحصرك بين ضلعين شبه منطبقين، ويحصر العالم كله معك بين هذين الضلعين. يغلق مفاتيح فكرك وقلبك. يقتل فيك الحب. وبقدر ما يغيب عنك الحب، ينشط منك الاحتقار. الاحتقار هو التعويض الطبيعي عن فقد الحب. من يفتقر أن يعيش حباً، ينصرف تلقائياً إلى الاستهزاء بالحب، فلا تسمع منه غير صوت الاحتقار. وكتعويض آخر، يتصور نفسه قمة جبل، والآخرين قاعا. وهناك من حيث قمة جبله، يروح يسقط أحكامه وأوهامه على من يعتبرهم قاعاً. ”إن احتقار الآخرين يشعرنا برضا بالغ عن أنفسنا، يشعرنا بأننا قضاة”. فبقدر ما تمارس احتقارك وتطلق أحكام قضاءك، تمتلئ بالرضا الذي يعوضك نقص الحب. الحب الذي أعنيه هنا هو ليس فقط ذلك الخيال الرومانسي الذي قد يصفه البعض بأنه غائب عن الواقع (وإن كنت عن نفسي لا أراه كذلك)، بل هو رفض الكره مهما كان الواقع مؤلماً. أي أن الحب الذي أشير إليه هو كره الكره عموماً وخصوصاً.

الصوت الحكيم، يبسطك على الأرض، ويمدك نحو السماء. يستيقظك من جفوتك وقسوتك وغرورك وأنانيتك. يسكبك ماءً في وعاء غيرك. يمنحك معنى السعادة ”السعادة هي أن تكون سمكة تسبح في بحر الناس”. ليس أجمل ولا أعقد من بحر الناس الممتلئ بالعجائب والغرائب. ليس مثل تنوعات ثقافاته وأفكاره ومعتقداته وعاداته وسماته وسلوكاته وطبائعه. وبالمقابل، ليس مثل رشاقة السمكة الملتوية بجسدها الصغير تشق نفسها داخل الماء. ممتلئة السمكة بعشق الماء حتى أن لحظات قليلة جداً، تلك التي تفصل بين إخراجها من الماء، وموتها فراقاً. وبقدر ما تتحرك السمكة بالماء فإنه يحركها. يتبادلان هي والماء لعبة الحب. حركة بحركة واهتزازة باهتزازة ودهشة بدهشة. وبقدر ما يدهشها الماء وكائناته العجائبية، فإنها تبحر نحو العمق أكثر لترى أكثر ولتعيش متعة دهشتها أكثر وأكثر، وكلما رأى منها الماء عمقاً، أخذها إلى سحره أكثر، وأمدّها بجنّة خفاياه التي لا يصل إليها إلا من يملك القدرة على الغوص نحو القاع أكثر. هكذا يكون القاع بالنسبة للسمكة مساحة كشف ومتعة استثنائيين، ويكون القاع بالنسبة لفاقد الحب، شيء دوني وبسيط، إن لم يكن حقيراً.

الصوت المحمّل بالحكمة يجعل عينيك تبحثان عن الجمال المختبئ في زوايا الكون وتحت حجارته القاسية. يجعلك تناغي قسوتها دون حاجة منك إلى معول كسر، بل يكفيك بماء الحكمة، يترك الماء أثره محفوراً على الحجارة دون عنف أو قسوة أو تعالٍ. يبعث فيك هذا الصوت الإحساس بقيمة كل شيء حولك. يخجلك من الابتذال حتى في قمة اختلافك. لا يُسمعك الكره والتباغض، ولا يحملك إلى الاصطفاف والتطاول، ولا يقبل لك التحامل والتراشق، هو صوت يمسح على قلبك بيده، يجعله أزهر. وعلى عكسه ما يشحنك بالغضب والتحامل. ما يُعلي منك صوت التنابز والتهاوش. ما يطلق لسانك بالبذاءة وعدم الاحترام. ما يغرقك في الأنانية البغيضة. ما يحيل الناس إلى سمك يسبحون في مستنقعات عصبياتهم وأنانياتهم.

ربما تقول بعد كل هذا، أن الصوتين يختلطان عليك في زمن كل ما فيه بات مختلطاً؟

بسيطة. كلما فرغت من الاستماع لصوت، أو قراءته، قف لحظة قصيرة لتسأل نفسك، أي المناطق حركها في داخلك هذا الصوت؟ منطقة حب أكثر، أم منطقة بغض أكثر؟ منطقة فهم جديد أم منطقة سوء فهم جديد؟ منطقة تقارب وتسامح، أم منطقة تحامل وتنابز؟ منطقة تتواضع بامتلائك أكثر، أم منطقة تستعلي بفراغك أكثر؟ منطقة ترتفع بإنسانيتك وترهف بروحك وقلبك، أم منطقة تجعلك أقرب للتوحش والافتراس؟

إجابتك وحدها كفيلة بأن تريك أي نوع من الأصوات هذا الذي يقتحمك. فرد فعلك وصوتك الذي تسمعه من نفسك يعكسان نوع هذا الصوت الذي سمعته. تتمايز الأصوات بما تنجزه فينا من أفعال، فالصوت المحمّل بالحكمة لا يمكن أن ينجز في الأصوات (المتفاعلة معه والمتأثرة به)، غير المزيد من الاحترام، بينما الصوت المحمّل بالاحتقار يجعلها تمارس (بوعي أو من دون وعي) الشيء نفسه. فانظر ما الذي تدخله إلى نفسك برضاك.

أيضاً، وحدها رغبتك في مواصلة الاستماع، أو الانصراف، هو ما يريك أي نوع من الناس أنت. فالإنسان دائماً يختار الاستماع إلى الأصوات التي تُشبهه. فانظر أي الأصوات أنت؟

لمشاهدة المقال وقراءة التعليقات http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12214