
تبقى قلوبنا مشتعلة بالحرب، حتى إذا مسّها الحب، صارت غيمة مثقلة بالمطر..
لعل هذا ما يمكن أن أوجز به، ذلك التناول التاريخي الممتزج بالمخيلة الفلوكلورية، في الفيلم الهندي "جودا أكبر". يحاول فيه المخرج "أشوتوش جواريكر" تقديم نموذج لتسامح ديني، عايشته الهند على يد السلطان المغولي جلال الدين أكبر، خلال القرن السادس عشر الميلادي.
كانت امبراطورية المغول في الهند آخر دولة تحكم الهند، دام سلطانها نحو ثلاثة قرون، منذ أن أسسها ظهير الدين بابر في النصف الأول من القرن العاشر الهجري. توالى عليها عدداً من السلاطين. وكان "جلال الدين أكبر" أحد أبرز سلاطينها. عُرف عنه، أن الدولة في عهده بلغت أوجها السياسي. أكمل سيطرته على كامل بلاد هندوستان (باكستان وشمال الهند)، وزحف إلى الشرق حتى البنغال، ثم أدخل كل الدول الواقعة هناك (اسلامية وغيرها) تحت سلطته. اتسمت سياسته بالتسامح، والمساواة بين المسلمين والهنودوس في الحقوق الواجبات. وقام بتجديد نظام الإدارة، كما نجح في تنظيم حكومة قوية ودقيقة. [1]
يحاول الفيلم أن يلقي الضوء على ذلك البعد التاريخي، ويغوص في الذاكرة الهندية والمغولية، ليعرض قصة حب لا تزال موضع شحذ فلكلوري في الهند. ألهمت الفنانين والأدباء على مدى عصور، وتحولت إلى رسومات ومنحوتات وروايات وقصائد أسهمت في مزج الحقيقة التاريخية بالأسطورة. القصة تجمع بين الأميرة الهندوسية ذات الجمال والذكاء "جودا"، وبين الامبراطور المسلم المغولي "جلال الدين أكبر" المقاتل الطامح إلى توسيع حدود امبراطوريته عبر التحالف مع والد «جودا».
يتزوج "أكبر" من "جودا". الغرض سياسي بحت: توطيد أقاليم الهند تحت سلطة المغول. الزواج يُحدث رفضاً في المجتمع المحافظ. وكذلك بالنسبة لـ"جودا" المتعصبة لعقيدتها الهندوسية. تقبل "جودا" الزواج من أجل أبيها ودولتها فقط، مشترطة أن تبقى على عقيدتها وأن يسمح لها بجعل معبد خاص في القصر الملكي. هذا التوطيد السياسي لا يلبث أن يتوطّد منه الحب، ليخفت صوت التعصب العقيدي تدريجياً، ويحل مكانه التقارب والقبول، ورغم بقاء الزوجين كل على عقيدته، إلا أن ذلك لم يمنع الحب أن يكبر يوماً بعد يوم، بل أن يداخل الحب كل شيء حولهما، أن يرسم تاريخاً جديداً لهند متسامحة.
التوطيد السياسي لحكم المغول الذي كان يأتي عن طريق المحاربة والإرغام، يتحول مع "أكبر" إلى سريان بالمعانقة والاحتواء. يقول "أكبر" لرجالات دولته بعد أن يتمكن من قلبه الحب: "أريد أن يعرف الشعب أنني سوف أعانقهم مهما كانت ديانتهم". المعانقة تصل الناس. ينقلب تمرد الأمراء إلى احترام: "لو كنت أدري أنك على هذا القدر من الرحمة والعطف والانسانية لجئت اليك طالباً الانضمام الى مملكتك". يقول أحد الأمراء الأسرى لأكبر.
في حلقة ذكر في القصر الملكي، يقول أحد المتصوفة إلى جلال الدين أكبر: تُسأل الملائكة: ما الجنّة؟ فتقول: كل قلب يحمل نعمة الحب هو جنة. ثم تُسأل الملائكة: ما جهنّم؟ فتجيب: القلوب التي ليس فيها نعمة الحب يجب أن تسمى جهنم.
القلوب زفير جهنم لولا نعمة الحب. كان "أكبر" قبل أن يصير قلبه جنّة، يستجيب لجهنم القادة المحاربين ورجال الدين الذين درجوا على إحكام سيطرتهم على الناس والدويلات بالسيف والدم والدين، لكن بعد أن نضج الحب في قلب "أكبر"، راح يُسقط ما أدرجه هؤلاء من أحكام جهنمهم وأنظمتها، وراح يُنشئ أنظمة جنته الخاصة: احترام جميع الأديان والثقافات، إلغاء الضرائب المفروضة على الناس، تلمس حاجات الفقراء وقضاءها، حب الناس ومساواتهم بعضهم بالبعض الآخر.
راح "أكبر" ينصت لصوت قلبه وعقله وروحه وحبّه، صار يظلل الناس بغيمة الحب بدلاً من عنفوان السلاح. تمكن "أكبر" من تحقيق توطيدٍ أكبر للدولة المغولية في الهند. ما عجز عنه آباءه بالحرب تمكن هو منه بالحب، فـ"النصر العظيم عندما لا تذرف قطرة دم واحدة" كما يقول أكبر. حاول قادة البلاط الخاسرون للحب، أن يوهموه، أن دولة المغول ستفقد هيبتها بتسامحه، لكنه كان يريهم أن "القطعة النقدية تصدر صوتاً عندما تسقط، لا عندما يتم رفعها". ففي حين تُسقطك الحرب، فإن الحب يرفعك. هكذا أكمل "أكبر" سيطرته على كامل بلاد هندوستان، وصارت كل الدول الواقعة في الشرق حتى البنغال، تحت سلطته.
يبطل الحب مفعول الأصوات التي تزلزل خارجك بعنفها وغلظتها وكراهيتها وتعصباتها. يجعل قوتها تخفت في داخلك شيئاً فشيئاً، ليعلي صوتك الداخلي، يظهر صوت إنسانك الأنقى والأرقى، يحضرك مباشرة إلى قوتك الذاتية، يصير شحنك وطاقتك ووجودك الخاص، يصير دربك. لعل هذا ما عناه الفيلسوف بوبر حين قال "لن تصبح حياة الإنسان درباً، مهما كان مقدار النجاح، أو مقدار المتعة التي حققها، أو مقدار السلطة التي بوسعه بلوغها، أو الأفعال التي بوسعه القيام بها؛ ستبقى حياته بلا درب ما لم يواجه الصوت الذي في داخله". كان "أكبر" كل هذه الأشياء معاً، لكنه لم يصر يوماً درباً، حتى نجح في مواجهة صوته الداخلي، ونجح في مواجهة الآخرين به: إنني حُر الآن، سأفعل ما أراه مناسبا. يقرر أكبر. الحرية هنا ليست استهتاراً، بل وجداناً. أن تعثر على ما كان غائب عنك؛ صوتك الداخلي. ذلك الذي طالما حجبته عنك أصوات الخارج، وأبقتك محصوراً فيما تراه هي، ثم تركتك تلوي باحثاً عن نجاح أو متعة أو سلطة أو شهرة أو ملك، موهمة إياك أنها دربك أو صوتك، لكن كل ذلك، ليس سوى فتات ينشغل به قلبك، مادام فارغاً من الحب.
الحب يشعلك في درب آخر. يصفّي نفسك وقلبك وعقلك. يتواضع بك. يسمعك "الأغاني تملأ السكون". يريك أنه "يوجد جمال في كل خطوة منك". يريك "الحب يتموه في الهواء". يجدّد معنى الحياة في أنفاسك. يصيّرك درباً، لا حرباً.
خلاصة المواضيع Rss

